في صحبة العلامة الكبير أبو عبدالرحمن ابن عقيل نغوص في ثنايا أعماقه الفكريّة، ونستقصي تجاربه الثريّة؛ بحثًا عن المطمور والمستور، فكان أن كشف لنا بصراحته المعهودة بعض الفريات التي راجت بين مجاليه.. فكذّب بعضها وصادق على البعض.

ونحن إذا نواجهه كانت الصراحة هي العنوان الذي يتبدّى لنا؛ فنلقي السؤال، فيحضر من الضيف الجواب: غُرَّر به في شبابه وكهولته عندما أباح الغناء، و غلبه الهوى بالتّقصير في العبادة مع كثرة العبث والضّحك والسخرية، ولما قام بزيارة الفنانة الشهيرة نجاة الصغيرة عُجم عليه لسانه..وضاق نَفَسه، فتبدلت صورة الحب والهيام من لدن الشيخ إلى شيء آخر.

مشيرًا إلى تعنيف الشيخ ابن باز – رحمه الله-، ولماذا قال له ابن باز حينها:" ما أعظم مصيبتك عند الله". وصافًا نفسه كبهيمة الأنعام يختطف منها الذئب فترتاع دقائق ثم تعود إلى المرعى، بحسب تعبيره-. مؤكدًا في ذات "المواجهة" أن سدُّ الذرائع مراعىً شرعاً؛ ولكنّه ليس من الذين يسدونها؛ وإنّما يقف دوره عند كشف المسدود منها.. فإلى سطور المواجهة في حلقتها الرابعة:

نجاة الصغير

لك موقف معروف من الغناء ذكرته من قبل؛ فهل لك كتاب ألّفته عن نجاة الصغيرة؟

- ذكرتُ في التباريح أو تباريح التباريح قصة بحثي (الغناء من الناحية الشرعية) الذي نشرتُ منه حلقات في جريدة الدعوة، ثم توقَّفت لما جاء الشيخ حمود التويجري، وعبدالعزيز الفريان رحمهما الله، وغيرهما إلى سماحة الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمهم الله جميعاً مستغربين نشر مثل هذا البحث في جريدة الدعوة؛ فدعاني سماحته، ومع الأمر بالتوقف بالَغ في النصيحة، ورد عليَّ الشيخ التويجري رحمه الله بكتيِّبه (القول الجميل في الرد على ابن عقيل) كما سبق له تأليف كتابه (القول الصواب في الردِّ على أبي تراب) - كما رد على أبي تراب ردّْاً خطابياً غير علمي الأستاذ أحمد باشميل رحمه الله بكتاب عنوانه:(إسكات الرعاع في إباحة السماع)-، ورددتُ على الشيخ التويجري رحمه الله، ونشرتُ ما كتبته في الدعوة بكتابي (مسائل الأصحاب) بلا إضافة، ومنذ ثلاث سنوات طهَّرتُ بيتي من أشرطة الغناء والسينما والأفلام، بل أخرجت التلفاز من مكتبتي، وكنتُ سابقاً لا أتابع فيه إلا اللهو، ولكنني لا أستطيع البعد عن سماع الأخبار؛ فكنت أستمع إلى إذاعة القرآن في راديو صغير أضعه على ماصتي مدة جلوسي على مكتبي بصوت خافت حتى ألحظ ما يهمني فأرفع الراديو وأستمعه، ولم أستمع للغناء ألبتة، وأما (السماع وهو غير الاستماع) إذا عجزتُ عن مقاومته كأن أكون في ردهة فندق خارج المملكة فإنني أُقاومه بالاستغفار والتسبيح والتهليل بلساني أو بقلبي.. ولست اليوم أرى في الغناء لذة، وأما الغناء الشعبي بغير آلة فأسمعه في مناسبات، وأغنيه إذا أردتُ نظم شعر فصيح أو عامي؛ لإقامة الوزن؛ فاللحن اللعبوني مثالاً لا حصراً في قول ابن لعبون : مومناتٍ ما شباهنْ الدِّبَق

ما فضى حِلاتهنْ كودَ البريق

يقيم لك وزن الرمل؛ لأنك تُغنِّي بهذا اللحن شعراً عربياً مثل قول بشار :

إن في برديَّ جسماً ناحلاً

لو توكَّأتِ عليه لانهدمْ

النطق الفصيح

إلا أنك في الشعر الفصيح تحرص على النطق الفصيح الصحيح، وبهذا ظهر لي سرُّ الزحافات فقوله (توكأتِ) هو الصحيح لغةً، ثم يكون لك بالغناء ضرورة غنائية بإشباع التاء هكذا: (توكأتي).. وكل ما ذكرته لكم ليس بحولي ولا قوتي ولكنه إلجاء من ربي جل جلاله بهداية التوفيق والإعانة؛ فله الحمد والمنة، وعوضني ربي بهيام لا حدَّ له بسماع أصوات المقرئين المجوِّدين المجيدين، وآثرهم عندي محمد رفعت رحمه الله وجزاه الله عني خيراً مع علمي بتجاوزه في المدِّ؛ فلا أقلده إلا بمدٍّ بين حركتي أصبع أو أربع أو ست، وكان استماعي أكثر من تلاوتي؛ فيمضي يوم لم أقرأ أكثر من ربع حزب أو نصف حزب، ولكنني مع النشاط ومصابرتي للنفس الملولة الصادَّة عن الجد أقرأ هذا الكم قبل مباشرتي العمل على مكتبي، وربما كررت هذا الكم خمس مرات قبيل الصلاة أو بعدها.. وسرُّ تقليلي في التلاوة كثرة مشاغلي؛ فإن كنتُ في سفر تلوتُ كثيراً.. وسرٌّ آخر وهو أنني أحاول تطبيق التجويد، وكان نصيبي منه إلى الآن نزْراً، مع التدبُّر، وتسجيل ما أشكل عليَّ في التلاوة.. وسرٌّ ثالث وهو تثبيتي لما حفظته من القرآن الكريم، أو قيامي بحفظٍ جديد على مهل.

غرَّر بي

وغرَّر بي في شبابي وكهولتي عندما أبحتُ الغناء بإطلاق شُبَهٌ كثيرة منها إباحة الغناء من بعض العلماء، بل بعض العلماء ذوي الورع يُعلِّم الغناء كأبي يوسف يعقوب بن أبي سلمة الماجشون رحمه الله تعالى، وعفا عنه؛ فقد كان يُعلِّم الغناء، ويتخذ القيان.. قال الذهبي رحمه الله تعالى: (وأمره في ذلك ظاهر مع صدقه في الرواية)؛ بل قال

مُصعب ابن الزبير: ( وكان الماجشون أوَّل من عَلَّم الغناء من أهل المروءة بالمدينة [المنورة])، وكان جليساً لعمر بن عبدالعزيز رحمه الله؛ فلما تولى عمر الخلافة وفد عليه الماجشون؛ فقال عمر رحمهما الله تعالى: (إنا تركناك حين تركنا لبس الخز).. مات رحمه الله شاباً، ولو طال به العمر لظننت أنه يرجع عن ذلك.. ولقد تتبَّعتُ الرُّخَص وهي مُهْلِكة، ووثقتُ بإمامة أبي محمد ابن حزم رحمه الله ولا سيما أنه قال في كتابه (جامع الإيصال) فيما أظن- بعد تبحُّره في العلم- :(سماع الغناء حلال، وتركه أفضل)، ولم أُضَعِّف الحديث الصحيح الذي صححه العلماء عن قوم يُضرب فوق رؤوسهم بالمعازف، كما فعل أبو محمد رحمه الله، ولكنني تأوَّلت دلالَته بأن العقوبة المذكورة في الحديث الشريف ليست للغناء وحده، بل جريمتهم أكثر، وهي استحلالهم الخمر والزنا ولبس الحرير؛ فلما نوَّر الله بصيرتي علمتُ أن اختلافهم في غناءٍ غيرِ غناء العصر الحديث بما فيه من معازف متناوحة، وغمزٍ بالعين، وإثارة للغُدَد الجنسية، ووجود بعض التجديف في بعض الكلمات، أو التوسُّل غير المشروع بعبد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، مع انحطاط أكثر الوسط الفني، واستباحة قبلة الأجنبية وما هو فوق القُبلة بدعوى التمثيل!!..

تجربتي الخاسئة

وأيضاً أفادتني تجربتي الخاسئة في شبابي وكهولتي بجعلي الغناء غاية لا وسيلة؛ فلا أستغني عن سماعه يوماً، وأصرف وقتاً كثيراً في حفظ الكلمات والترسُّمِ للحن، وتسجيل ما يرد عليه من ملاحظات.. والغناء المباح - وفعل ما هو مستحب غير الغناء خير بلا ريب- ضيِّقُ النطاق بدون آلة، أو بالدفِّ في مناسبات معيَّنة، أو تحميس القوم في الحرب أو الحرفة الشاقة.. وأضرَّ بي ذلك كثيراً في قلة التلاوة إلا في أحيان أُكثر فيها التلاوة لتأثُّري بمعنى خطر لي في التلاوة أثار خشيتي، ثم أعود إلى التكاسل، وكنت كبهيمة الأنعام (وأعوذ بالله من مثل السوء) يختطف منها الذئب فترتاع دقائق ثم تعود إلى المرعى.. وأضرَّ بي أيضاً في الانصراف عن معاناة تطبيق التجويد، والتدبُّر؛ وتدوين ما أشكل؛ فكان حظي أجر التلاوة لمن يقرأ وهو عليه شاق، ونفعني الله بما في اليفاع من صحبة الوالد رحمه الله إلى المسجد والتلاوة، وكثرة ختمي للقرآن في شهر رمضان المبارك، ونفعني الله بإيمان راسخ بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره.. لم تتزحزح هذه العقيدة في منعطفات حياتي ولله الحمد والمنة، وكنت أخاف مقام ربي إذا عصيتُ؛ فأبادر إلى غسل ملابسي كلها والاستحمام بمبالغة في النظافة مع تجديد التوبة خوفاً من لقاء الله لا تأسُّفاً على دنيا لم أَنَلْها بعدُ..

اللهم لا تَخْترمني

وأذكر مثالاً من أمثلة كثيرة أنني كنت منذ اثنين وثلاثين عاماً في السيارة ببغداد وإلى جانبي الأستاذ حمد القاضي، وكنا منهمكين في الحديث؛ فخطر لي خاطر؛ فظن أن النوم أخذني، وإنما رفعتُ رأسي إلى السماء بالاضطجاع أكرر ( اللهم لا تَخْترمني كافراً ولا فاسقاً.. وأعوذ بوجهك الكريم أن تقذفني في النار طرفة عين فإني عبدك الضعيف لا أقوى على ذلك، وأعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت بنوره السموات والأرض من كل ما يجلب مقتك وغضبك ومكرك وعقابك ـ وَمَنْ أَصَـرَّ على المعصية مع الاستغفار منها دخل في المكر بربه، والله خير الماكرين ـ ، ويا رب إن ذنوبي لو بلغت زبد البحر لا تساوي شيئاً بجانب عفوك ورحمتك.. ثم أتوسل إلى ربي بما منحنيه من إيمان وأشياء أخرى من العمل الصالح مُقِرّْاً بأن الفضل له وحده سبحانه).. وكلما أردتُ الاستراحة من الدعاء عجزتُ حتى انشرح صدري، وحصلت لي سكينة وطمأنينة.. ومع هذه الأفاويق يغلبني الهوى والشيطان لعنه الله بالتقصير في العبادة، ومواقعة ما يجر إلى أكبر من اللمم، مع كثرة العبث والضحك والسخرية، والوقوع في الغيبة .

النغم الذي أحببته

وماذا عني سؤالي شيخنا الكريم؟

وأما سؤالك عن الكتاب الذي ألفته عن نجاة فهو مختارات من ديواني (النغم الذي أحببته) وأظن أن ذلك قبل طبعه، مع صورة مهيِّجة، وترجمة ضافية، وسرد لأغانيها وتواريخها وملحنيها وأصحاب الكلمات، وقد نُشر بمجلة جمعية الثقافة والفنون، وقال لي سعادة الأستاذ محمد الشدي ( إنه عرض الموضوع على عالم نفسي؛ فقال: إن أبا عبدالرحمن عاشقٌ بجدٍّ لمن كتب لها الكتاب)، ولما شككتُ في أن أخي الأستاذ حمد

القاضي حرسه الله وصَّله إليها، أرسلته لها مع متأدِّب مصري اسمه (علي الفقي ) مضيفاً إليه بعض مقالاتي الخاسئة عنها، ثم زرتها بصحبته في الزمالك أو أبو المعاطي أو العجوزة (نسيتُ لطول العهد، والحمد لله على هذا النسيان)؛ فجاءتنا بعد طول انتظار ولم يبد منها غير وجهها وعلى بعض رأسها طرحة قماش بيضاء شفافة، وقد بدتْ رقبتها وبعض صدرها، وهذا غاية الستر عند فنانات العصر.. ورحَّبتْ، وصرفتني إلى الحديث عن السعودية وأُدبائها، وقالت :(لولا أنني المعنيَّة لغنَّيت بعض الكلمات)، ولم أقل: (أنت غنيت (لا تكذبي) لِلْمُدَحدح العاشق عن سذاجة الشناوي، وأنت المعنيَّة بذلك)، وكان رحمه الله دميماً كبير البطن قصير الرقبة؛ فلما بلغ به الشوق مبلغه صرحت له بأنها تحبه لأدبه الجميل؛ فصدم بعدها.. لم أقل لها ذلك؛ لأنه عُجم على لساني، وضاق نَفَسي، وغصصتُ بريقي، وعَرِقْتُ، وصرتُ أثني أطراف أصابعي من غير وعي لشدة الخجل؛ فاستغربت هي ذلك؛ فلما خرجنا قال لي الفقي: (يخرب بيتك.. خجَّلتنا معها!).. وسرُّ هذه الانغماسة طلاقٌ تكرَّر اضطراراً لأول زوجة لي أُحبها حبّْاً شديداً، وعوضني الله بما هو خير في أواسط الكهولة؛ فَوَلَّد لي هذا هياماً وحبّْاً وهمياً، وتسلياتٍ بالتأوهات الساقطة في ألحان المغنين .

تعنيف الشيخ ابن باز

ولما علم سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله بنشر ذلك في مجلة الجمعية دعاني وعنفني، وقال: (ما أعظم مصيبتك عند الله؟!) وقوله يسمعه أناس يكرهونني؛ فقلت: (يا سماحة الشيخ أريدها نصيحة لا فضيحة، وتهذيباً لا تعذيباً)، وعاهدته على ترك هذه السفاهات؛ فدمعت عينه رحمه الله، وصار يفتل طرف غترته ويدعو لي.. وكلما صفا وضعي مع سماحته عكَّره تجاوزات لي في الكتابة عن الغناء، أو وشاية قوم يكذبون عليَّ والله حسيبهم، ولكن كتاباتي تلك دون السفاهة السالفة بكثير، ولما أراد سماحته الإذن لي بالدروس في المسجد والبيت أخذ عليَّ العهد بترك هذه السفاسف، وعدم تدريس الظاهرية؛ فالتزمت لسماحته باستثناء حلقتين نشرتا عام 1405هـ تقريباً في مجلة الحرس الوطني، وهما مقابلة مع الموسيقار محمد عبدالوهاب؛ فلما عاتبني اعتذرتُ بأشياء منها أن اللقاء أدبي، ولم ينل القناعة التامة، بل جَدَّد العهد معي، ، وكتبت له أطلب إبقائي على دروسي فجاءني خطاب سماحته لا يختلف عن الأول.

يدعو لي ويشجعني

ثم استصدر الدكتور عبدالعزيز المشعل خطاباً آخر من سماحته يدعو لي ويشجعني على الدرس، وأنا محتفظ به بلا ريب، ولكن أوراقي مبعثرة، ولم أحصل عليه الآن لأصوره .. ولقد كففتُ عن هذه الخزعبلات من ذلك الحين، وظلَّت كلمة سماحته رحمه الله (ما أعظم مصيبتك عند الله) وسماً في قلبي؛ فالحمد لله الذي فاء بي ولو على كِبَـر، وأسأله برحمته وقدرته أن يحسن خاتمتي؛ فإن الحيَّ لا تُؤمن عليه الفتنة.. ولا يزال يلازمني كثير من العبث والدعابة والمزاح الذي قد يتعدَّى اللمم؛ فأسأل الله لي ولسائر أحبائي وإخواني المسلمين أن يؤتي نفوسنا تقواها، وأن يزكيها هو خير من زكاها.. وأسأله برحمته وعفوه وكرمه وقدرته أن يحيينا حياة سعيدة مديدة تكسب عملاً صالحاً بالعلم النافع، والعمل به، وتعليمه، وأن يكون ذلك على درجة الإحسان والاستقامة الدائمة الجادة إلى أن نلقى ربنا: مشتاقين إلى لقائه، غير مستوحشين من ذنوبنا، واثقين بعفوه؛ فإن للمؤمن أكثر من بُشرى في حياته- ولا سيما خلال العبادة - تأتي بلمَّة ملك كريم؛ فينشرح الصدر.

من الذي أحرقه؟

الديوان الذي ذكرته ( النغم الذي أحببتُه) من الذي أحرقه؟

- أرسله حمد القاضي وحمله علي الفقي ولكنني أحرقته في النهاية، وهذا من مراهقات الصبا، ومن الخطإ في التقسيمات؛ لأنني عندما قسمت نصوص الغناء غَلَب في ظني أنها على أربعة أقسام: إما نصٌّ قطعي الدلالة أو الثبوت على التحريم، وإما نص قطعي الدلالة والثبوت على الحل وهذا لم أجده، وإما نص قطعي الدلالة غير قطعي الثبوت على الحل أو التحريم وهذا لا عبرة به مثل أن الإنسان إذا غنى ركب فوق كتفيه شيطان فلا يزال يرفسه حتى يسكت، وهذا صريح الدلالة على التحريم، ولكنه ضعيف؛ فلا تقوم به حجة.. وإما قطعي الثبوت غير قطعي الدلالة مثل قوله تعالى: (ومِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)، وقد أقسم ابن مسعود رضي الله عنه على أن المراد الغناء وهو قطعي الثبوت؛ لأنه في القرآن الكريم المتواتر، لكنه ليس قطعي الدلالة.. وأما الديوان فقد أسلفت أن الذي أحرقه برغبتي هو الأستاذ عبدالعزيز الشبانات جزاه الله خيراً .

وهل هذا الذي نهاك عن الغناء؟

- رحم الله والديكم أفضتُ كثيراً فيما سلف.

قيل بأنك أهديت إحدى المغنيات سيارة من نوع فلوكسواجن.. فما صحة ذلك؟

- هذا من الأكاذيب.. ما وجدت سيارة أركبها حتى أهديها؟!.

سدُّ الذرائع

دعني شيخي الكريم أخرج من هذه القضية وسأل: هل تُعوِّل في إصدار الأحكام الشرعية على سد الذرائع، أو أنك ترى ما يراه ابن حزم عندما قال: إن الله لم ينزل به من سلطان؟

*سدُّ الذرائع مراعىً شرعاً، ولكننا لسنا الذين نسد الذريعة، وإنما نكتشف الذريعة المسدودة، والرسول صلى اله عليه وسلم قال: (الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)، وفيه اللمم الذي قد يعفو الله عنه، وهناك بعض اللمم الذي قد يجرك بالتدريج إلى فاحشة كبرى؛ فإذا أوشكت أن تقع في الْحِمَى فهذه ذريعة للشر لا بد أن نسدها.. ولم نكتشف هذه الذريعة بالاجتهاد فقط؛ وإنما بحثِّ الشرع المطهر على اجتهاد دقيق، ونتبصر في المشتبه الذي يجرُّنا بغفلةٍ إلى الحمى.. أما أن يكون سد الذريعة اقتراحاً مني من غير تبصير شرعي فلا يجوز؛ ودين الله ليس بالاقتراح العقلي.. نحن نكتشف الذريعة في دين الله أو في الممارسة فنسدها.

أَصَمَّ بها الآذان

ثم اسمعوا هذه الكلمة الجميلة التي أَصَمَّ بها آذان ملوك الطوائف الصغار ـ وهم جُعْلان سلَّموا أمة الإسلام في الأندلس إلى النصارى؛ فتحوَّلتْ من دولة عربية مسلمة إلى دولة أجنبية كافرة، وإنا لله وإنا إليه راجعون ـ: ((وأما ما سألتم عنه من أمر هذه الفتنة، وملابسة الناس بها، مع ما ظهر من تربُّص بعضهم: فهذا أمر امتحنَّا به نسأل الله السلامة، وهي فتنة سوء أهلكت الأديان إلا من وقى الله تعالى من وجوه كثيرة يطول لها الخطاب؛ وعمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه أولها عن آخرها: محارب لله تعالى ورسوله، وساع في الأرض بفساد.. والذي ترونه عياناً: من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي تكون في ملك من ضارهم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون على أهلها.. ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله؛ غرضهم فيها استدامة نفاذ أمرهم ونهيهم؛ فلا تغالطوا أنفسكم، ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه ( اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المزينون لأهل الشر شرهم، الناصرون لهم على فسقهم)؛ فالمَخْلَص لنا فيها الإمساك للألسنة جملة واحدة إلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذم جميعهم؛ فمن عجز منا عن ذلك رجوت أن تكون التَّقيَّة تسعه، وما أدري كيف هذا؛ فلو اجتمع كل من ينكر هذا بقلبه لما غُلِبُوا؛ فقد صحَّ عن النبي ^ أنه قال:(من رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، وجاء في بعض الأحاديث: ليس وراء ذلك من الإيمان شيء أو كما قال عليه السلام، وجاء في الأثر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم :(لتأمرن بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليعمنَّكم الله بعذاب).. واعلموا رحمكم الله أن لا عذاب أشد من الفتنة في الدين.. قال تعالى:( والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ)؛ فأما الغرض الذي لا يسع أحداً فيه تقية؛ فأن لا يعين ظالماً بيده ولا بلسانه، ولا أن يُزيِّن له فعله ويصوِّب شرَّه، ويعاديهم بنيته ولسانه عند من يأمنه على نفسه؛ فإن اضطر على دخول مجلس أحدهم؛ لضرورة حاجة، أو لدفع مظلمة عن نفسه أو عن مسلم، أو لإظهار حق يرجو إظهاره، أو الانتصاف من ظالم آخر كما قال تعالى: (وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، أو لصداقة سالفة ـ فقد يصادق الإنسان المسلم اليهودي والنصراني لمعرفة تقدمت ـ أو لطلب يعانيه، أو لبعض ما شاء الله عز وجل: فلا يُزيِّن له شيئاً من أمره، ولا يعينه، ولا يمدحه على ما لا يجوز.. وإن أمكنه وعظه فليعظه، وإلا فليقصد إلى ما له قصد غير مصوِّب له شيئاً من معاصيه؛ فإن فعل فهو مثله.. قال الله تعالى:(ولا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ومَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ) وفي هذا كفاية..

وجه السلامة

وأما ما سألتم عنه من وجه السلامة في المطعم والملبس والمكسب: فهيهات أيها الأخوة؟!..إن هذا لمن أصعب ما بحثتم عنه، وأوجعه للقلوب، وآلمه للنفوس.. وجوابكم في هذا: أن الطريق ههنا طريقان: طريق الورع؛ فمن سلكه فالأمر والله ضيِّق حرج، وبرهان ذلك: أني لا أعلم لا أنا ولا غيري بالأندلس درهماً حلالاً، ولا ديناراً طيباً يُقطع على أنه حلال.. حاشا ما يستخرج من وادي لاردة من ذهب؛ فإن الذي ينزل منه في أيديهم، [يعني أيدي المستخرجين له بعد ما يؤخذ منهم ظلماً] فهو كماء النهر في الحل والطيب.. حتى إذا ضُربت الدراهم، وسبكت الدنانير: فاعلموا أنها تقع في أيدي الرعية فيما يبتغونه من الناس من الأقوات التي لا تؤخذ إلا منهم، ولا توجد إلا عندهم من الدقيق والقمح والشعير والفول والحمص والعدس واللوبيا والزيت والزيتون والملح والتين والزبيب والخل وأنواع الفواكه والكتان والقطن والصوف والغنم والألبان والجبن والسمن والزبد والعشب والحطب؛ فهذه الأشياء لا بد من ابتياعها من الرعية عُمَّار الأرض وفلاحيها ضرورة؛ فما هو إلا أن يقع الدرهم في أيديهم فما يستقر حتى يؤدوه بالعنف ظلماً وعدواناً بقطيع مضروب على جماجمهم كجزية اليهود والنصارى؛ فيحصل ذلك المال المأخوذ منهم بغير حقٍّ عند المتغلب عليهم وقد صار ناراً؛ فيعطيه لمن اختصه لنفسه من الجند الذين استظهر بهم على تقوية أمره وتمشية دولته، والقمع لمن خالفه والغارة على رعية من خرج من طاعته أو رعية من دعاه إلى طاعته؛ فيتضاعف حر النار؛ فيعامل بها الجندُ التجار والصناع؛ فحصل بأيدي التجار عقارب وحيات وأفاعي.. ويبتاع بها التجار من الرعية؛ فهكذا الدنانير والدراهم كما ترون عياناً دواليب تستدير في نار جهنم.. هذا ما لا مدفع فيه لأحد، ومن أنكر ما قلنا بلسانه فحسبه قلبه يعرفه معرفة ضرورية كعلمه أن دون غدٍ اليوم؛ فإذا فاتنا الخلاص فلا يفوتنا الاعتراف والندم والاستغفار، ولا نجمع ذنبين ـ ذنب المعصية وذنب استحلالها ـ ؛ فيجمع الله لنا خزيين وضِعْفَين من العذاب نعوذ بالله من ذلك، ولنكن كما قال تعالى: (والَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وهُمْ يَعْلَمُونَ).. هذا مع ما لم نزل نسمعه سماع استفاضة توجب العلم الضروري أن الأندلس لم تُخَمَّسْ وتقسم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فتح، ولا استطيبت أنفس المستفتحين، وأقرت لجميع المسلمين كما فعل عمر رضي الله عنه فيما فتح، ولكن نفذ الحكم فيها بأن لكل يد ما أخذت، ووقعت فيها غلبة بعد غلبة، ثم دخل البربر والأفارقة والمصريون فغلبوا على كثير [من القرى دون قسمة]، ثم دخل الشاميون في طالعة بَلج بن بشر بن عياض القشيري فأخرجوا أكثر العرب والبربر المعروفين بالبلديين عما كان بأيديهم كما ترون الآن من فعل البربر ولا فرق.. وقد فشا في المواشي ما ترون من الغارات، و [في] ثمار الزيتون ما تشاهدون من استيلاء البربر والمتغلبين على ما بأيديهم إلا القليل التافه، ومشى في بلاد المتغلبين يقيناً العرى الحالسة ظلم بظلم.. وهذا باب الورع وقد أعلمتكم أنه ضيق.. وأما الباب الثاني فهو باب قبول المتشابه، وهو في غير زماننا هذا باب جيد؛ لأنه لا يؤثم صاحبه، ولا يؤجر، وليس على الناس أن يتجنَّوا على أصول ما يحتاجون إليه في أقواتهم ومكاسبهم إذا كان الأغلب هو الحلال وكان الحرام مغموراً.. وأما في زماننا هذا وبلادنا هذه فإنما هو باب: أغلق عينيك، واضرب بيديك، ولك ما خرج إما تمرة وإما جمرة.. وإنما فرقت بين زماننا هذا والزمان الذي قبله؛ لأن الغارات في أيام الهدنة لم تكن غالباً ظاهرة كما هي اليوم، والمغارم التي كان يقبضها السلاطين فإنما كانت على الأرضين خاصة؛ فكانت تقرب مما فرض عمر رضي الله عنه على الأرض..