ما هي أول المؤسسات التي تحرص الأنظمة الشمولية الفاسدة على الاستحواذ عليها والسيطرة على كل صغيرة وكبيرة فيها؟ إنها بلا ريب (المؤسسة الإعلامية)، فهي الصوت والصورة بالنسبة للنظام وهي بدورها صوت وصورة للنظام ولا شيء غير النظام.
ومع إشراقة الربيع العربي المجيد اتضحت تلك الحقيقة جلية قوية، إذ كانت هذه (المؤسسة) أولى ضحايا النظام حتى قبل سقوطه.. عندما تعرّت تماماً أمام الفضائيات المحايدة أو المغايرة، فالصورة التي نقلتها مثلاً (الجزيرة) و (العربية) وغيرها من الفضائيات الغربية فضحت الهزال الذي عاشته بعض الأنظمة في غمرة الربيع الهادر، وهي تحاول إخفاء الحقيقة، ذلك أنها لم تكن أبداً مستعدة لأيام ربيع صادق، بل عاشت طوال أيامها خريفاً داكناً لا يرى النور أبداً، وإن كان ثمة نور فهو لفلاشات النظام وأركانه وزبانيته.
وتونس اليوم تضرب مثلاً واضحاً للنقلة الكبيرة في وسائل إعلامها التي وُصفت بأنها قد خرجت من (بيت الطاعة) الحكومي إلى الأبد. وفي نظري إن أي خروج بالنسبة للإعلام التونسي تحديداً يُعد ثورة بمقاييس الحال آنذاك. وقد تسنّى لي أكثر من مرة منذ سنوات مضت الاطلاع على بعض صحفهم المنشورة، فرأيت فيها من الهزال المعرفي، والسخف الموضوعي، والتخلف المهني، والابتذال الرسمي ما الله به عليم.
والحال كذلك ينطبق على محطات التلفزة والمحطات الإذاعية التي كانت أشد غرقاً في غياهب التسبيح بحمد الحاكم والتغطية على كل عيوبه، بل وإبرازها وكأنها صور إنجاز تاريخي ليس له نظير.
وما أن تُزاح ظلمة البطش والقمع حتى تنطلق المواهب الإعلامية المكبوتة، وحتى تخرج الكلمات من أفواه قائليها حرة طليقة لا يسعها فضاء ولا يحيط بها رقيب، مع بقاء المتعارف عليه من أصول الحوار والنقد وسعة الصدر، ومع حدوث أخطاء هنا أو هناك.
هكذا هي الكلمة أول ما يُصادر من حريات، وأول ما ينطلق من الحريات.. لأن بالكلمة ميزّ الله بين البشر وبقية خلقه من الحيوانات، بها يؤمن الإنسان أو يكفر، وبها يبني أو يهدم.
وشر الهدّامين منافق لا يحسن إلا التكسب من الكلمة والمتاجرة بها والمزايدة بها على الشرفاء والمخلصين.