محمد حسني بدرون هو المؤرخ غير الرسمي للقوات الجوية السعودية، حيث عمل بها سنوات طويلة، كما قضى جل وقته بين الوثائق لاستخراج كنوز التاريخ الحديث المدفونة في أرفف المكتبات، ليوثق لنا مرحلة تاريخية من عمر الوطن وتأسيس قوته، وبالذات سلاح الجو. فقال بدرون أن مؤسس المملكة الملك عبدالعزيز رحمه الله ومنذ الأيام الأولي لتأسيس الدولة بادر إلى الاهتمام بالدفاع عن سلامة أراضيها ضد أي عدوان خارجي، وقد طرق كل السبل لتحقيق هذا الهدف. ويتذكر أول غارة جوية على المملكة، وهي التي تعرضت لها آبار النفط في المنطقة الشرقية عام 1940م خلال الحرب العالمية الثانية، والتي قامت بها طائرة إيطالية، والتي اعتبرها بدرون سبب تعزيز الاهتمام لدى الملك المؤسس بسلاح الطيران في المملكة.

«المدينة» التقته في مكتبه بسكن هيئة الطيران المدني والقوات الجوية بجدة، لنحاول معًا تذكر بدايات تأسيس هذا السلاح المهم، فكان أول ما ذكره أن قرنًا من الزمان قارب على الانتهاء منذ قيام أحد أبناء مكة المكرمة وهو الطيار عبدالسلام سرحان كأول طيار عربي مسلم بالتحليق في سماء جدة العام 1341هـ خلال عهد الأشراف، وتحدث أيضًا عن حماسة المواطنين وتبرعاتهم رغم الأزمة الاقتصادية العالمية لشراء طائرات سميت بأسماء المدن، فكانت هناك طائرة «الرياض» وطائرة «جدة» وغيرهما، وتحدث عن الكثير من ذكريات الطيران بالمملكة ومنها قدوم الطائرة «الموفقة» من مصر والتي افتتحت أول رحلة طيران داخلي في المملكة بين جدة والمدينة المنورة..

-هل تذكر أول طيار سعودي حلق في أجواء المملكة؟

هو عبدالسلام سرحان من أبناء مكة المكرمة، وهو أول طيار عربي ومسلم يحلق في أجواء الجزيرة العربية، وقد زامله في نفس الفترة الطيار حسن ناظر والذي يعد ثاني طيار من بعد سرحان، وقد تخرج الاثنان في المدرسة الحربية بمكة المكرمة، وكانت رحلة الطيران الأولي لسرحان في نهاية شهر شعبان من سنة 1341هـ الموافق شهر أبريل من العام 1923م، وكان ذلك خلال عهد الأشراف، وعند ضم الملك عبدالعزيز رحمه الله لاحقا مدينة جدة للحكم السعودي كان سرحان ضمن العسكر الذين انضموا للقوات السعودية.

-وهل استمر سرحان في الطيران بعدها؟

نعم فقد انضم لقوات سلاح الطيران السعودي وتقاعد عن العمل في العام 1381هـ، وأصبح خبيرا بحكم أقدميته، وهو من حدد أماكن غالبية المطارات، وقد طالب بعد التقاعد خلال تولي الأمير سلطان لوزارة الدفاع بالأقدمية وبأنه أول طيار في المملكة، وبالفعل شكلت لجنة من مجلس الوزراء لبحث هذا الأمر، وأجازوا له الأقدمية.

-هل كان يوجد في الجزيرة العربية قبل الحكم السعودي قوات حديثة من دبابات وطيارات وغيرها؟

نعم ويظهر هذا في خطاب أرسله الملك عبدالعزيز بعيد دخوله مدينة جدة في يوم 10 جمادى الثانية من العام 1344هـ، وكان يبلغ أحد الأمراء بأحوال فتح منطقة الحجاز وما جري مع ابنه سمو الأمير محمد في فتح المدينة المنورة، ويشير إلى أحوال مدينة جدة السيئة واستيلاء الجيش السعودي على طائرات ودبابات.

-ومن تولى مسؤولية صيانة الطائرات الموجودة في جدة آنذاك؟

مهندس ألماني اسمه كراكوفسكي، وقد تم توقيع عقد معه للعمل حصريا لدي الحكومة الحجازية (قبل إطلاق اسم المملكة العربية السعودية) بصفته مهندسا وطيارا، وكان توقيع العقد في الفترة ما بين الحربين العالميتين في يوم 13 المحرم من العام 1347هـ الموافق 30 يونيو 1928م.

-هل كان مستوى الطائرات قبل العهد السعودي جيدة؟

في الحقيقة كانت الطائرات قديمة، وقد ورد ذكر ذلك من خلال تقرير صادر في جريدة أم القرى في 7 يناير 1930م، أشار إلى أن الحكومة وجدت الطائرات القديمة صالحة للتدريب فقط بعد دراسة حالتها من قبل لجنة شكلت خصيصا لهذا الغرض، وأن الحكومة أوصت بشراء طائرات حديثة من نوع ويستلاند وابيتي مارك 2 ذات محرك من نوع جوينتر6، وبالفعل وصلت الطائرات إلى المطار الرئيسي الثاني بعد مطار جدة بجزيرة دارين قرب القطيف بالمنطقة الشرقية قادمة من العراق.



تبرع الأهالي لشراء طائرات



-وكيف تم استقبال الطائرات الجديدة؟

وصلت الطائرات من الشرقية إلى الطائف عبر جدة وكان في استقبالها الملك عبدالعزيز رحمه الله وعدد من أبنائه وحشد كبير من المواطنين، وأقيم احتفال بهذه المناسبة التقي خلاله الملك بالمواطنين واستمع لهم، وأطلع على الطائرات الثلاث التي وصلت إلى الطائف من أصل 4 طائرات اشترتها الدولة، وكان ذلك في يوم الخميس 26 ربيع الأول من عام 1349هـ الموافق 18 سبتمبر 1930م، وفي ثاني يوم من وصولها استقل أحد الطائرات الأمراء آنذاك: الملك سعود والملك فيصل والأمير محمد والملك خالد، وحلقت بهم مدة طويلة من الزمن.

-وهل تم بالفعل إنشاء جمعية للطيران أم بقي الأمر مجرد كلام؟

بالفعل تم تأسيس جمعية بمسمي جمعية «الطيران العربية» في يوم 15 جمادى الآخرة من العام 1349هـ الموافق 6 نوفمبر 1931م، وانطلقت أعمالها رسميا بعد أخذ موافقة الحكومة رسميا عليها بعد ذلك بشهر واحد تقريبا، وأصدرت أول تقرير بإنجازاتها بعد عام من إنشائها. حيث استطاعت بالرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية القوية بداية الثلاثينات الميلادية جمع تبرعات تقدر بقيمة 2094 جنيها إسترلينيا و13 ريالا عربيا، منها 1000 جنيه تبرع بها الملك عبدالعزيز و500 تبرع بها الأمير (الملك) فيصل رحمه الله.

وفي بدايات العام الهجري 1355هـ الموافق 1936هـ نشرت جريدة «صوت الحجاز» خبرا عن من اجتماع أعيان جدة وتكوينهم لجنة للاكتتاب لشراء طائرة تسمي «جدة»، وأعضاء اللجنة هم: الشيخ محمد عبدالله رضا رئيسا لها، ومحمد قابل نائبا للرئيس، أحمد محمد صالح باعشن أمينا للصندوق، والشيخ حسن نصيف سكرتيرا، والشيخ عبدالجليل عبدالجواد محاسبا، وما قام فيه أهالي جدة قام بمثله أهالي المدن الأخري الرياض ومكة والمدينة، وكان الملك سعود رحمه الله ولي العهد حينها على رأس قائمة المتبرعين لشراء الطائرة «الرياض» بمبلغ 200 جنيه ذهب إسترليني.

-في تلك الفترة كانت هناك مساع دولية لنزع الأسلحة، ماذا كان موقف المملكة منها؟

شاركت المملكة في مؤتمر لنزع السلاح بتاريخ 29 شوال 1350هـ الموافق 7 مارس 1932م، وساند مندوبها في خطابه إلى المؤتمرين تحريم الغازات السامة وكل وسائل الحرب البكتريولوجية، وتحريم الطيران الحربي بجميع أنواعه، وتخفيض وتحديد التسلح المشروع إلى أصغر حد ممكن يتفق مع السلامة القومية، كما كانت حالة المملكة ذلك الوقت بداية الدولة والتي كانت تحتاج إلى سلاح لتأمين طرق الحج.

وخلال موسم حج العام 1348هـ الموافق العام 1930م، كان من بين الحجيج ممثل أحد شركات السلاح البولندية، وفي يوم 7 رمضان من ذلك العام اتفق معه الملك عبدالعزيز على شراء سلاح بقيمة 30 ألف جنيه إسترليني، إلا أن بولندا احتلت من قبل ألمانيا ولم يتم تسليم المبلغ المتفق عليه، وكلفت حكومة بولندا الحرة عبدالله فيلبي تحصيل المبلغ مقابل عمولة.

-ما السبب خلف اهتمام الملك عبدالعزيز بتطوير سلاح الطيران في نظرك؟

اهتمام الملك عبدالعزيز رحمه الله بتطوير سلاح الطيران جاء نتيجة حدث هام، وهو أن الرئيس الإيطالي موسوليني أراد ضرب آبار النفط في البحرين والتي تستفيد منها بريطانيا عدوة إيطاليا اللدود ذلك الوقت، فأرسل 4 طائرات لهذا الهدف لكن أحد الطيارين أخطأ وقصف آبار الشرقية التابعة لأرامكو بالمملكة في ليلة 17 رمضان العام 1359هـ الموافق 19 أكتوبر العام 1940م بداية الحرب العالمية الثانية، وكنتيجة لذلك توقف تصدير البترول بسبب الأضرار الحاصلة نتيجة القصف، وقد تكون هذه الغارة الأولى على المملكة في تاريخها، وعندها استشعر الملك عبدالعزيز أهمية سلاح الطيران، وقد استنكرت حكومة المملكة الحادثة بشدة.



أول بعثة طيران



-متى كانت أول بعثة لدراسة الطيران وإلى أين ابتعثت؟

أول بعثة لدراسة الطيران في العهد السعودي غادرت ميناء جدة يوم الأحد الموافق 6 ذي القعدة 1353هـ 16 فبراير 1935م على الباخرة «صوماليا» متجهة إلى أسمرة لإجراء الاختبارات الصحية والفنية على المبتعثين ومنها إلى إيطاليا حيث يدرس الطلبة الطيران هناك، والطلبة المبتعثون هم: أنور بصراوي، إسماعيل كتبي، صالح الخطيب، ضياء الدين الحكيم، عبدالله باخطمة، عبدالقادر بصراوي، عبدالسلام سرحان (لم يتجاوز اختبارات النظر)، عبدالقادر أوليا، عبدالعزيز ضياء الدين، غالب توفيق، كامل عبدالقادر، محمد سيد، مصطفى طرابزوني، ناصر غوث، ولم يتجاوز بعضهم الامتحانات المطلوبة.

-ومن أول المتخرجين في هذه البعثة؟

صالح الخطيب، صدقة طرابزوني، ضياء الدين الحكيم، أمين شاكر، عبدالقادر بصراوي، وكان تخرجهم في شهر أغسطس من العام 1935م، وقد زار الملك سعود رحمه الله ولي العهد حينها الطلبة في مطار روما وقاد طائرة كابروني كانت بتسعة محركات والأكبر في العالم، وعند عودته إلى ميناء جدة عن طريق السويس بالباخرة كانت تحلق فوقها طائرات سرب الطيران السعودي.

-ما قصة الطائرة التي أهدتها فرنسا للمملكة في ذلك الوقت؟

في يوم 27 ذي الحجة وصلت طائرة مهداة من الحكومة الفرنسية إلى الملك عبدالعزيز رحمه الله وكان يقودها طيار فرنسي يدعى بيتوا، وكانت من أحدث الطائرات وأسرعها.

-ومن كان أول مدير لسلاح الطيران؟

عبدالله منديلي كان أول مدير لسلاح طيران وخلفه رشيد الصالح ثم إبراهيم الطاسان، وقد حلق بطائرة من مطار الماظة في مصر إلى مطار النجمة وهو سابق لمطار الحوية بالطائف والذي يقع مكانه حاليا في مجمع الدوائر الحكومية بالطائف وكان يرافقه فني مصري بطائرة تايجر ماوث وهو أول من يطير مسافة طويلة، وقد قام بحركات استعراضية منفردة في مدرسة سلاح الطيران بجدة والتي تم افتتاحها في يوم 6 رجب 1355هـ الموافق 22 سبتمبر 1936م، وشارك في الاستعراضات الطيارون الذين درسوا في إيطاليا حمزة طرابزوني (أول لواء طيار) في العهد السعودي وصدقة طرابزوني، وكامل حلمي.



أول رحلة طيران مدني



-وماذا عن أول رحلة طيران ركاب داخلية؟

أول رحلة جوية لحمل الركاب في السعودية كانت بين جدة والمدينة المنورة على طائرة مصرية اسمها الموفقة، وهو أول خط طيران داخلي في المملكة وكان قائدها طيار مصري اسمه صدقي وهو أول طيار مصري يطير من لندن إلى مصر، وقد وصلت الطائرة الموفقة في يوم 21 شوال العام 1356هـ الموافق 24 ديسمبر 1937م، وتم افتتاح الخط الجوي بين جدة والمدينة مباشرة بعد وصولها، وكان على متن الرحلة الأولى التي غادرت جدة متجهة إلى المدينة وزير المالية عبدالله السليمان وإلياس بك إسماعيل القائم بأعمال المفوضية المصرية بجدة، وإبراهيم بن معمر قائم مقام جدة.