من الشبهات التي أثيرت حول معاوية رضي الله عنه أنّه قتل صحابيًا هو حجر بن عدي دون أن يبينوا أسباب قتله، وحجر هذا مختلف في صحبته، وأكثر العلماء قالوا إنه تابعي، مثل البخاري وابن أبي حاتم عن أبيه وخليفة بن خياط وابن حبان وغيرهم ذكروه في التابعين، وكذا ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة[انظر ترجمته في الإصابة 2/ 31- 34]
أما عن أسباب قتله فقد ذكرها ابن العربي في العواصم بأنّ حجراً فيما يقال: رأى من زياد أموراً منكرة، حيث أنّ زياد بن أبيه كان في خلافة علي والياً من ولاته، وكان حجر بن عدي من أولياء زياد وأنصاره، ولم يكن ينكر عليه شيئاً، فلما صار من ولاة معاوية صار ينكر عليه مدفوعًا بعاطفة التحزب والتشيع، وأنّ حجرًا يفعل مثل ذلك مع من تولى الكوفة لمعاوية قبل زياد، فقام حجر وحصب زياد وهو يخطب على المنبر، حيث أنّ زياد قد أطال في الخطبة، فقام حجر ونادى: الصلاة! فمضى زياد في خطبته فحصبه حجر، وحصبه آخرون معه، وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فكتب زياد إلى معاوية يشكو بغي حجر على أميره في بيت الله، وعدّ ذلك من الفساد في الأرض، وقد كلمته عائشة رضي الله عنها في أمره حين حج، فقال لها: «دعيني وحجراً حتى نلتقي عند الله»[انظر هذا الخبر بالتفصيل في العواصم من القواصم لابن العربي ص 219-220، بتحقيق محب الدين الخطيب وتخريج محمود الإستانبولي مع توثيق مركز السنة] ومعاوية رضي الله عنه لم يقتل حجرًا وأصحابه على الفور، ولم يطلب منهم البراءة من علي رضي الله عنه كما تزعم بعض الروايات الشيعية، إنّما أخذ رأي أهل مشورته، ثم كان حكمهم فيهم.[انظر: تاريخ الطبري 5/256- 257 و 275]
أما السخط على معاوية رضي الله عنه أنّه جعل الحكم وراثيًا، فالعالم الإسلامي كان آنذاك في حاجة إلى مثل هذه الخطوة؛ إذ لم ينس الأهوال التي مرت به بعد مقتل عثمان رضي الله عنه بسبب الطمع في الخلافة، وكان صاحب هذه الفكرة المغيرة بن شعبة، ويُروى أنّه أحس بأنّ معاوية ينوي عزله عن الكوفة، فذهب إلى الشام، وقابل يزيد، وقال له:» ذهب أعيان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبراء قريش وذوو أسنانهم، وإنّما بقي أبناؤهم وأنت من أفضلهم ، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة، قال أو ترى ذلك يتم؟ قال: نعم»[انظر الطبري 4224]، وقد أيد هذه الفكرة كبراء مكة، ثم أنّ أكثر الذين طمعوا في الخلافة أو رشّحوا أنفسهم لها، أو رشحهم الناس هم من أولاد الخلفاء، ومعنى هذا أنّ النظام الوراثي كان قد وجد طريقه إلى أكثر القلوب والعقول.[د. أحمد شلبي: التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ،250، ط3،1969م]، كما لا ننسى أنّ بعد مقتل سيدنا علي رضي الله عنه بويع ابنه الحسن للخلافة. وأهل المدينة ولوا عليهم رجليْن فولى الأنصار عبد الله بن حنظلة، وولت قريش عبد الله بن مطيع، وكان هذا دليل تفكك وانقسام من أول الأمر، ويُروى أنّ عبد الله بن عباس لما سمع بذلك، قال: أميران!! هلك القوم[تاريخ الطبري: 4370]
ثم أنّ معاوية رضي الله عنه لم يكن ديكتاتوريًا في فرض ابنه، فقد أخذ له البيعة، وكان بإمكانه أن يعلن ابنه خليفة من بعده دون أن يُبايعه الناس. وأسأل هنا : ما الذي جنته الأمة العربية من الحكم الجمهوري غير الفوضى والظلم والاستبداد، وقتل الحكام لشعوبهم تمسكًا بالحكم، ومحاولات توريث الحكم لأولادهم؟