استحييتُ أنْ أستدعي الدكتور للنظر فيما حلَّ بي من مصاب، ولم يكن أمامي إلا البقاء حبيس غرفة انتظارا للفرج بطلوع الفجر وما كاد أن يطلع

في ضحى يوم الأربعاء التاسع والعشرين من شهر رجب سنة 1406هـ وفي زاوية صغيرة من صحن مبنى المجمع الثقافي في أبوظبي كان اللقاء الأول مع أستاذ من أساتذة العصر وعلم من أعلام المحققين وهو الأستاذ الدكتور محمد بن الهادي أبو الأجفان التميمي القيرواني رحمه الله وجمعنا به في مستقر رحمته . كان لقاءً قصيراً لم يتجاوز نصف ساعة، لكنه كان أشبه باجتماع عملٍ أُعدَّ له من قبل، فقد رسمنا فيه خطةً لمسيرة علمية نافت على عشر سنوات، لقيتُ منه خلالها خير ما يلقى تلميذٌ مِن أستاذه .

وبعد هذا اللقاء بشهور رأيتني في مطار قرطاج بتونس، وكان أستاذي في استقبالي في ليلةٍ مِن ليالي القُرِّ شَاتيةٍ، وكان برفقته طالب بحريني، وهو الصديق العزيز الدكتور عبداللطيف الشيخ محمد صالح، فانتقلنا إلى داره العامرة بحي الوردية جنوب العاصمة، وكان الحديث علمياً جاداً لا يشوبه شيء من فضول الكلام، وكانت المفاجأة حين انتهينا من العشاء وهممنا بالانصراف، أنْ أجد حقيبتي في البيت، وأجده يرغب إليَّ أنْ أبيت في داره، ولم أتردَّد في إجابته لِمَا رأيتُ من كريم شمائله، فإجابة الكريم مِن إكرامه، وعقدتُ العزم أنْ يأذن لي بالانتقال بعد ثلاثة أيام ففي الحديث: (الضيافةُ ثلاثة أيام) .

وكانت ليلة من أصعب الليالي، بل هي من شدائد عمري لا أنساها، فقد كان البردُ شديداً، ورغم وجود التدفئة والأغطية، فلم أستطع المبيت من شدة البرد، واستحييتُ أنْ أستدعي الدكتور للنظر فيما حلَّ بي من مصاب، ولم يكن أمامي إلا البقاء حبيس غرفة بل ثلاجة، انتظارا للفرج بطلوع الفجر وما كاد أن يطلع .

وفي الصباح أفطرنا ثم خرجنا لشؤوننا، وبعد انقضاء الأيام الثلاثة استأذنته أنْ أنتقل للسكنى في فندق بوسط البلد لأكون قريباً من مواضع حاجتي لإنهاء إجراءات تسجيلي للدراسة بجامعة الزيتونة وزيارة الدور والمؤسسات التعليمية كدار الكتب الوطنية وغيرها .

ومن نعم الله عليَّ أنْ أكرمني بالتلمذة على أساتذة كبار كالشيخ محمد الشاذلي النَّيفر والشيخ محمد الطَّيب بسيِّس والدكتور محمد أبو الأجفان رحمهم الله والشيخ الطاهر الرحموني حفظه الله وغيرهم، وكان أرفقهم بنا هو الشيخ محمد الشاذلي النَّيفر وأشدُّهم علينا أبو الأجفان، ففيه شيء من حدَّة قومه تميم، رحم الله الجميع .

وخلال فترة إقامتي في تونس كنت أتلقَّى منه اتصالا كل يومين أو ثلاثة، يدعوني إلى داره العامرة، رغم أنه ليس من أهل المال، لكنه كرم النفس، فلا أذكر يوماً أتيته إلا وقد أعدَّ لي اثنان أو أكثر من أجاويد الطلبة والباحثين، ينتقيهم كما ينتقي أحدُنا أطايب الطعام، من شتى بقاع العالم الإسلامي، فيكون لقاءً علميا معرفيا لا يشوبه هزل، وكان خلال ذلك حفيَّاً بهم يتبسَّط معهم في الحديث ويرعاهم رعايته بأولاده، وربما دفع لبعضهم مساعدة إن كانوا من المحتاجين، ولا أنسى زوجته المصونة الأستاذة القديرة وحيدة المنيف، فقد كانت خير معين له في إكرام ضيوفه، بل كانت خير رفيق له في دربه العلمي لما جبِلَت عليه مِن صلاح واستقامة وكريم طباع .

فكانت رعاها الله تتحمَّل عبء الضيافة لضيوفه، وبنفسٍ طيِّبة سخيَّة، فلا يكاد يمضي عليه يومان أو ثلاثة إلا وعنده عشاء أو غداء، فكان دارُهُ ملتقى علمياً ثقافياً لطلابه الذين يجمعهم محبته والوفاء له، مثل الدكتور محمد عبدالرحمن طوالبة والدكتور

عبدالناصر أبو البصل والدكتور ناجي العربي والدكتور إبراهيم المريخي والدكتور عامر الحافي والدكتور نعيم الكثيري والدكتور دعيج المطيري والدكتور حمزة أبو فارس والدكتور أحمد

عبدالكريم هارون التيجاني والدكتور عز الدين بن زغيبة والدكتور ضياء الحق والدكتور المفضَّل المومني وغيرهم الكثير .