لئن كانت الجهود في مجال الترجمة من اللغة العربية وإليها تنحو نحو الفردية في الغالب، إلا أن هذا الحال يبدو مختلفًا مع كتاب «القاموس الموسوعي للتداولية» الذي اشترك في ترجمته (13) باحثًا تم تكريمهم ضمن الفائزين بجائزة خادم الحرمين العالمية للترجمة مؤخرًا.. وكان من بين المشاركين في ترجمة هذا القاموس الدكتور شكري المبخوت رئيس جامعة منوبة التونسية، الذي أبدى سعادته بهذا الفوز، مشيرًا الى أن جائزة خادم الحرمين الشريفين العالمية للترجمة تشق طريقها بجدية من خلال آلياتها المتطورة والموضوعية، بما يؤكد أنها تسير في الأفق الكوني، كما يكشف المبخوت في هذا الحوار أبرز الأفكار التي تضمنها القاموس، وكيفية تطوير الترجمة في العالم العربي..



موضوعية ورؤية استراتيجية

* كيف تلقيتم خبر فوزكم بجائزة خادم الحرمين الشريفين الدولية؟.

بداية لابد من الإشارة إلى أن هذه الجائزة محترمة، وقد بدأت تشق طريقها بجديتها، بنوعية المرشحين، وبالخصوص نوعية النتائج التي تفضي إليها، فآليات العمل في هذه الجائزة متطورة وموضوعية وذات رؤية استراتيجية، وهذا أمر يحسب للجائزة.. وشخصيًا تلقيت الخبر بكل سرور؛ ليس لأنني كنت مشاركًا فيه فقط بل لأن هيئة التحكيم قد ثمنت جهدًا لم يكن فرديًا بل جماعيًا في عالم عربي ما زال يعيش البحث والترجمة بصفة فردية وليس بصفة جماعية، فتثمين الجائزة للعمل الجماعي أمر مهم، وسرني أيضًا أن يكون هناك اعتراف عالمي - ينبغي أن نقول هذا - من جائزة عالمية وإن كانت سعودية في هيئتها ومؤسستها التي أنشأتها بطابع عالمي، وباختيارات جديدة وحديثة من حيث آليات التسيير والاشتغال، هو تثمين لجهد التونسيين في الترجمة، وعلينا القول إن التونسيين مقلون في الترجمة، ربما هذا عيب ينبغي تلافيه ولكنهم في الغالب الأعم عندما يترجمون يقدمون أعمالًا على مستوى راقٍ، يحترم النص، ويحترم اللغة العربية، يحترم المعرفة، وبعيدون عن «تجارة الترجمة»؛ لأن الترجمة أصبحت اليوم تجارة بحكم ما تكسبه للناشرين وللمترجمين من أموال، ولكن الأمر الآخر الذي جعلني أسر بهذه الجائزة أنه توجد في عالمنا العربي هيئات تثمن كذلك المحتوى المعرفي لما ينقل، فما ترجمناه ليس بالأمر الهين أو المشاع، ليس من باب الثقافة العامة للناس فقط، إنما هو كتاب مختص قد يفيد غير المختصين، ولكن نيله لجائزة يعني أننا وفقنا في نقل هذا العلم الحديث بلغة عربية جيدة مقبولة على الأقل، ثمّنتها هيئة الجائزة حين أسندت إليها الجائزة.



مثاقفة كونية

* وفقًا لما تقول.. هل ترى أن الجائزة نجحت في اختراق كل الحواجز اللغوية والجغرافية؟.

في تقييمي الشخصي اختراق هذه الحواجز يمكن أن نصنعها إذا كنا كسالى في الذهاب إلى الآخر، والترجمة هي فضاء مضياف يقبل التعدد والاختلاف والأفكار، فهي ترحال في المكان وفي التاريخ، إذن حين ننظر إلى الحاصلين على الجائزة وفي اللغات التي ترجمت منها وإليها نجد هذا التنوع فعلًا، والذي يدل على أن الثقافات تتلاقح أكثر من أنها تتصارع، وحين نقول تتصارع فينبغي أن يكون الصراع في مستوى البحث عن قيم كونية إنسانية شاملة وليس إطار غلبة هذه الثقافة أو تلك، فالعالم كله اليوم يتجه نحو ربط الصلات بين الثقافات والخروج من المركزيات المغلقة، سواء كانت مركزية أوروبية أو مركزية عربية إسلامية أو غيرها من المركزيات، فالمطلوب اليوم أن نكون في أفق إنساني رحب، وأعتقد أن جائزة خادم الحرمين الشريفين للترجمة تسير في هذا الأفق الكوني، وتمكن العرب والمسلمين من أن يساهموا في المثاقفة الكونية اليوم وتمكنهم من أن يخرجوا من الجهل بالآخر، وان يستقبلوا هذا الآخر في فضائهم الثقافي من خلال الأداة الكبرى لصناعة الرموز الفكرية وصناعة العقول العربية.



أهمية الموسوعة

* أي فكرة يحملها القاموس الموسوعي للتداولية الذي بوّأكم الفوز بالجائزة؟.

إحقاقًا للحق هذه الموسوعة منذ صدورها سنة 1994 حظيت لدى الباحثين التونسيين المشتغلين بمجال ما يسمى التداولية بالاهتمام نظرًا الى أنها قدمت بطريقة واضحة قضايا كثيرة كنا قلة نشتغل عليها في العالم العربي عمومًا وفي تونس بالخصوص، واستعملنا هذه الموسوعة مرجعا لطلبتنا، فتم تداول هذه الموسوعة لطابعها البيداغوجي ومتانة محتواها العلمي، ولكن مبادرة ترجمة هذه الموسوعة تعود للزميل الأستاذ عزالدين المجذوب الذي طلب مني شخصيًا ومن الآخرين أن نقوم بترجمة هذه الموسوعة لفائدة المركز الوطني للترجمة الذي أحدث في تلك الفترة، على نحو يسمح بنقل الآثار المهمة من الفرنسية إلى العربية، فمن هنا جاءت فكرة هذه الموسوعة وكان لي دور متواضع يتمثل في ترجمة مائة صفحة تقريبا أي خمس الكتاب فقط، وتكمن أهمية هذه الموسوعة في تعدد جوانبها، حيث تقدم القضايا الكبرى في مجال التداولية بطريقة تأليفية مبسطة أحيانًا، ولكنها لا تخل بالعمق الفكري والعلمي في الغالب، وهو عمل نفتقد إليه في اللغة العربية سواء من حيث أسلوب كتابته الذي هو أسلوب يقوم على أبواب تجمع ما وصل إليه العلم بهذه القضية أو تلك من قضايا التداولية، تحوصل العلم بأسلوب مشوق، فالموسوعة ذات شكل قريب من الكتاب لأنها فصول ولكن كل فصل وراءه عديد القراءات، وهناك الثراء في المعلومات، والأهمية الأخرى أن الموسوعة تبذر بذرة التجديد اللغوي لمعرفة ما يدور في العالم لأن اللغة العربية لها خصائصها ولكنها ليست خصائص مطلقة فهي لغة من الناحية العلمية وليس من الناحية الاعتقادية، هي لغة كسائر اللغات عظمتها تتمثل في ثرائها ولكن لا ينبغي أن نبقى ننظر الى هذا التراث كأنه شيء متحفي، ينبغي أن ندخل هذا التراث في ديناميكية البحث العلمي في العالم، والبحث العلمي في العالم لا يكتب للأسف بالعربية وإنما يكتب باللغات العالمية.. الأهمية الثالثة أن الترجمة تمكننا من تطويع هذه المفاهيم العلمية الحديثة إلى لغة الضاد وهنا أؤكد أن العربية تصبح طيعة في أداء المعرفة العلمية والمصطلحات العلمية على قدرة إتقاننا وفهمنا المدقق للمحتوى العلمي ـ هناك الكثير من الأوهام أن العربية عاجزة عن مواكبة العلم ـ هذا كذب محض ولكن يرتبط بمدى قدرتنا على أن نطلع على العلم في أصوله ومساره وأن نكون على قدر من إتقان لغتنا بحيث يمكننا أن نؤدي الفكر الحديث عمومًا والعلم الحديث بأجهزته المصطلحية وبمفاهيمه بلغة عربية أؤكد أنها حديثة سليمة رائقة، فهذا الكتاب بكثير من التجرد يقدم هذا العلم في لغة عربية راقية.



تقاسم أعباء

* برأيك هل كانت الموسوعة تحتاج إلى هذا العدد الكبير من المترجمين؟.

العدد كان مجرد تقاسم للأعباء أكثر منه ضرورة يقتضيها المعجم، لأن ترجمة مثل هذه المفاهيم الدقيقة والحديثة التي كثير منها لم ينقل من قبل إلى العربية كان شيئًا شاقًا على مترجم أو مترجمين ففي هذا التنويع هناك صعوبات ومشاكل في تكثير عدد المترجمين، لكن كان ذلك أيضًا من باب تجنب مشقة جعل العبء كله على أكتاف شخصين على أقصى تقدير، ثم الأمر الآخر الذي قد يكون مهما هو أن الذي اختار المترجمين والذي تصور مراحل الترجمة وإنجازها في وقت معقول والذي فكر في ذلك هو الأستاذ عز الدين المجذوب.



خروج من دائرة الكسل

* عام 2010 فاز بهذه الجائزة تونسيان.. وفي هذا العام حضر التونسيون بهذا العدد الكبير من الفائزين.. فماذا يعني لك ذلك؟.

يعني مزيدًا من تحفيز التونسيين للخروج من كسلهم في باب الترجمة بكل بساطة، وتعني أن لنا كفاءات وقدرات لا نستغلها إلى حد الآن الاستغلال الكافي لخدمة ثقافتنا العربية فهذا المغزى أرجو أن يزيد من حماس المختصين المترجمين التونسيين حتى يعرفوا أن في الجناح الآخر من العالم العربي أي في المشرق هناك اهتمام بترجمات التونسيين كما لمسنا اهتماما ببحوثهم سواء في اللغة والنقد الأدبي أو التاريخ أو غير ذلك مما وصل إلى أشقائنا وزملائنا في الشرق والخليج العربي، فسمعة التونسيين في باب العلم والترجمة طيبة وينبغي أن نحافظ عليها وأن ندعمها من أجل خلق تناغم ضروري لثقافتنا العربية.



مرصد اختبار

* من واقع تجربتك.. كيف السبيل إلى النهوض بالترجمة من العربية وإليها في مختلف العلوم الإنسانية؟.

لا توجد وصفة سحرية.. ما يوجد فقط أن نترجم.. لابد من الترجمة بكثرة حتى الترجمات الرديئة تنبئنا بما يجب تجنبه فهنا توجد جوانب عديدة، جوانب مؤسسية، تنظيم الترجمة، تقاسم الترجمة، وجود مرصد لاختيار الكتب المفيدة للعالم العربي والثقافة العربية، وهذا يقوم به المختصون الذين يتقنون لغات متعددة لا يمكن أن يقوم به أحادي اللسان، يمكن النهوض بالترجمة بتدعيم تدريس اللغات الأجنبية، المراهنة على هذه اللغات الأجنبية يمكن تدعيمها أيضًا بتكوين حقيقي للمختصين في الترجمة لأن اختصاص الترجمة وخاصة الترجمة العلمية، لأن الترجمة أنواع، ما زال في العالم العربي محدودا جدا ولكن في جميع الحالات أعتقد أن الكم سيفرز حتما ترجمات نوعية تغذي الثقافة العربية وتدفعها إلى التطور ومعانقة المعرفة الحديثة والفكر الحديث..