تضاربت آراء المهتمّين بآثار المدينة المنورة حول موقع مسجد الصحابي عِتْبان بن مالك الأنصاري رضي الله عنه، في ظل عدم وجود أيّ اعتراف بالمسجد من قِبَل الجهات الرسمية كوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف وهيئة السياحة والآثار.

وفيما أكد بعض الباحثين أن المسجد قد اندرست معالمه وخفي موضعه قبل نحو أربعة قرون، أكد آخرون أنه يقع قرب مبنى متهدّم يعتقد الزوار أنه هو المسجد، كما ذهب فريق ثالث إلى أن المسجد أتى عليه شارع عام أُنشئ قبل نحو عشر سنوات.

وتحدّد الغالبية العظمى من كتب السيرة النبوية والآثار، خصوصًا المعاصرة منها، موضع المسجد بالمكان المشهور الواقع قُبالة مسجد الجمعة على بعد نحو ٦٠ مترًا إلى الشمال منه.



المسجد باقٍ

وقد أكد لـ «المدينة» الباحث المهتم بآثار المدينة المنورة عبدالله بن مصطفى الشنقيطي أن موقع مسجد عتبان بن مالك رضي الله عنه قريب من البناء المتهدم الذي علاه الطريق.

«المدينة» وقفت على هذا الموقع الذي أشار إليه الشنقيطي حيث لا يوجد به سوى بناء متهدّم الجدران في مكان تملؤه الأوساخ والنفايات. وهو عبارة عن بناء حديث مسقوف بالصفيح (الزنك) يعلوه الشارع الجديد الذي أنشئ مؤخرًا، ولا يتضح شيء من معالمه، ولم يتأكد من بقايا بناء حديث للمسجد، كما فَقد زواره بالرغم من مجاورته لمسجد الجُمعة الذي يشهد إقبالًا كبيرًا من زوار المدينة والمعتمرين والحُجّاج، ويحظى ببناء فاخر يضاهي أكبر مساجد المدينة.

وتُظهر صُور نُشرت في الإنترنت والتقطت على الأرجح خلال العام الماضي تدعمها صور بالأقمار الصناعية قديمة وحديثة أن هذا المبنى الذي يعتقد الزوار أنه المسجد كان لا يزال قائمًا ببنائه المتهالك حتى وقت قريب، لكن المؤكد أن جزءًا منه اختفى بعد إنشاء مبنى سكني ملاصق له، كما أن ارتفاع الشارع الذي يمرّ به أدى إلى انخفاض الموقع عن مستوى الشارع وتكوّم النفايات في أركانه.

المسجد اختفى قبل سنوات

وتؤيّد مصادر تاريخية معاصرة ما ذهب إليه الباحث الدكتور تنيضب بن عواده الفايدي مدير تعليم المدينة المنورة سابقًا والمهتم بآثار المدينة، الذي أشار إلى أن أمانة المدينة المنورة أزالت المسجد عام ١٤١٧هـ، كما أزالت مواقع أثرية أخرى أكثر منه أهمية وكان الأجدر بها أن تحافظ عليها. وقال الفايدي إن مسجد عتبان بن مالك يقع الآن تحت الشارع الذي أنشئ بعد إزالة المسجد، مؤكدًا أنه وقف على المسجد قبل هدمه أكثر من مرة، وأنه هو المسجد الذي يُشير إليه المؤرخون أحيانًا بمسجد بنات النجار، ولم يكن سوى بناء قصير الجدران من الحجر المرصوص غير مسقوف وله مدخل ليس عليه باب.



لا صحة لتحديد موقع المسجد

أما الدكتور محمد بن عبدالهادي الشيباني رئيس قسم التاريخ بالجامعة الإسلامية فيرى أن المسجد مما اندرس قبل قرابة أربعة قرون، متمسِّكًا برأي أحمد ياسين الخياري الذي قال إنه من الآثار التي اندرست أعلامها وأعيانها ولم تعد موجودة، خاصة وأن الخياري من أبرز من بحث في تاريخ المدينة المعاصر، وكانت أغلب الآثار في عهده باقية على حالها ولم يطلها التغيّر الذي حصل في الفترة الأخيرة بسبب التوسّع في العمران، فكيف يستطيع مؤرخ متأخر أن يتوصل بحدسه إلى ما عجز عنه الخياري وهو ابن المدينة الذي ولد وعاش بها إلى أن توفي، فلو كانت مشتهرة لسبق إليها الخياري.

ونفى الشيباني الرأي المشتهر بأن موضع المسجد محدد بشمال مسجد الجمعة وأنه بقي حتى عام ١٤١٧هـ، مستشهدًا بأن اثنين من كبار أعلام المدينة المنورة وأبناؤها وهما أحمد ياسين الخياري والسيد علي حافظ لم يحددا موضع المسجد، بل إن حافظ لم يذكره أصلًا في كتابه دلالة على أنه مجهول عنده تمامًا، والخياري ذكره وقال إنه من ضمن قائمة طويلة من الآثار التي زالت واندرست وخفيت مواضعها، وهما علمان من أعلام المدينة وعاشا في فترة سبقت التغييرات الكثيرة التي حدثت في السنوات الأخيرة، وكانت المعالم فيها واضحة ويتناقلها أهل المدينة عن آبائهم وأجدادهم، وهؤلاء الآباء والأجداد علماء وأدباء ومثقفون وليسوا أناسًا مغمورين.



مصلى نبويّ

وقد ثبتت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع، الذي كان دارًا لعتبان بن مالك، فقد روى البخاري رضي الله عنه في صحيحه أن عتبان بن مالك الأنصاري أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أستطع أن آتي مسجدهم لأصلي لهم، فوددت يا رسول الله أنك تأتي فتصلي في بيتي فأتخذُه مصلى، فقال: «سأفعل إن شاء الله». قال عتبان: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت ثم قال لي: «أين تحب أن أصلي من بيتك؟»، فأشرت إلى ناحية من البيت، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فكبّر فصففنا، فصلى ركعتين ثم سلّم.



في التاريخ

وقد أورد مؤرِّخو المدينة والسيرة النبوية هذا الموضع في المواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وأن عتبان رضي الله عنه اتخذه مصلى، حيث أورده ابن شبة (المتوفى سنة ٢٦٢هـ) ضمن تلك المواضع، وذكر المطري (المتوفى سنة ٧٤١هـ) أن في شمالي مسجد الجمعة أطمًا خرابًا يقال له المزدلف، وهو أطم عتبان بن مالك الأنصاري، ووصفه بأنه مسجد صغير جدًّا مبني محوط بحجارة قدر نصف القامة.

كما أفاد أحمد العباسي في القرن الحادي عشر أنه اكتشف هذا المسجد بأصل المزدلف وجدّد بناءه سنة ١٠٣٦هـ بما تيسر على البناء الأول. وجزم محمد إلياس عبدالغني في كتابه المساجد الأثرية بالمدينة المنورة بأن هذا هو موضع مسجد عتبان بن مالك الأنصاري لاتفاق المؤرخين الذين ذكروه على أوصاف تجتمع فيه وهو أن موضع المسجد كان في بيت عتبان رضي الله عنه بأصل أطم المزدلف، وأن المزدلف هو أطم مالك بن عجلان والد عتبان رضي الله عنه، كما أنه يقع شمال مسجد الجمعة.

ووصف عدد من المؤرخين المعاصرين المسجد قبل إزالته عام ١٤١٧هـ بأنه كان بناءً صغيرًا جدًا لا يتجاوز ٣ في ٤م، ويقع على تل مرتفع قليلًا عن الأرض، وله محراب صغير.