وحول تاريخ أم القماري يقول حسين بن حسن الفقيه المختص في تاريخ القنفذة وتراثها: إن جزر أم القماري من مكونات البحر الأحمر وليس هناك دلائل على مؤشرات تاريخية لأول من اكتشفها. وإن كان قدامى الصيادين من أهالي القنفذة يتوقفون بها لبعض الوقت أثناء رحلات الصيد نظرا لكثرة الشعاب المرجانية من حولها. لذا فإن المناطق المحيطة بها تعد غنية بالثروة السمكية كونها مناطق شعاب مرجانية يقصدها الصيادون، وقد لفت انتباههم كثرة طيور القماري التي تستوطن الجزر، كما أن قرب أم القماري من ساحل القنفذة يشجع على ارتيادها من قبل زائري المحافظة وقاصديها حيث تنظم رحلات الصيد إليها.



تاريخ وجغرافيا

تقع جزر أم القماري جنوب غربي مدينة القنفذة في مياه البحر الأحمر، المقابلة للساحل الجنوبي الغربي للمملكة وتقطع مراكب الصيد والنزهة المسافة من مرفأ القنفذة وصولا إليها في نحو 45 دقيقة وتعد هذه الجزر محطة لرسوّ بعض الطيور البحرية الأخرى كالبجع والبلشونات والنوارس. وهي محميّة ذات طبيعة خاصة تتألّف من جزيرتين هما أم القماري البرّانية وأم القماري الفوقانيّة. ويبلغ مجموع مساحة الجزيرتين حوالي 182,500 مترا مربّعا، أي أقل من كيلومتر مربع واحد.

اكتسبت جزر أم القماري أهمية كبرى بعد أن امتدت إليها يد الحفاظ والنماء بضمها إلى قائمة المحميات الطبيعية في المملكة، فتخطت واقعها المتواضع من كونها مجرد جزيرتين صغيرتين عندما باتت محط اهتمام هيئات دولية عديدة معنية بهجرة الطيور، وتتبع تلك الهجرة ومدتها ورصد سلوكها، ولهذا فلم تعد جزر أم القماري ذات أهمية بيئية محلية فقط، بل تحولت إلى مكانة عالمية لكونها جزراً مضيافة للعديد من الكائنات الفطرية المهاجرة؛ وكأنما شربت رمالها من طباع الأجداد، فأصبحت تأوي أعدادا كثيرة من أسراب الطيور المهاجرة التي يجبرها صقيع الشتاء في شمال الكرة الأرضية على الهجرة في اتجاه الجنوب. وتوفر بذلك ملاذا آمنا لها للتكاثر وتوفيرها لمحبي مشاهدتها أو الانتفاع بها أينما وجدت في المواسم المحددة لذلك.



طبيعة ساحرة

تغطي سطح الجزيرتين أحجار كلسيّة شعابيّة ورمال ناصعة البياض نتاج تحطم الأصداف البحرية التي نقلتها الأمواج إلى الجزيرة ويبلغ متوسّط ارتفاعها عن سطح البحر ثلاثة أمتار. ويسود غطاء نباتي كثيف وسط الجزيرتين يحوي أنواعا من أشجار الأراك والسّواد والصّبار والثّندة والرّغل التي تمثل مصدر الغذاء والمأوى لبناء أعشاش الطيور. كما رصد بعض الصيادين الذين يتخذون من الجزيرتين محطة مؤقتة لهم أثناء بقائهم في البحر لعدة أيام أنواعا كثيرة من الطّيور البحريّة والطّيور الشاطئيّة مثل العقاب النّساري ومالك الحزين والبلشون الأبيض والنورس. أما الحياة البحرية فتمتاز بتنوع هائل من الشّعاب المرجانيّة والحيوانات اللاّفقّاريّة البحريّة. وتمتاز الشّعاب المرجانيّة بجزيرة أم القماري البرّانية بكونها في حالة أحيائية جيدة لم تتأثر بعوامل التدمير فضلا عن كونها متنوّعة ممّا يجعلها متميّزة للدّراسة والبحث العلمي.

ومما يزيد الجزيرة الأم رونقا وجمالا تلك الشعاب المرجانية المحيطة بالجزيرتين التي يمكن مشاهدتها في المياه الصافية على عمق نصف متر مشكلة لوحة طبيعية تنبض بجمالية المكان تحت سطح الماء. يصعب أن يصورها رسام بريشته فهي تتنوع بين أسماك مرجانية ولافقاريات والسلاحف خطافية المنقار والسلاحف الخضراء وربما عرائس البحر (الأطوم). وفي نفس الوقت توفر زادا قريب المنال للطيور المقيمة والمهاجرة كالبلشونات والنوارس والخرشنات والطيور الخواضة. أما العقاب النساري الذي يسكن أم القماري فهو يعتمد على الأسماك التي تحفل بها مناطق الشعاب المرجانية الضحلة حول الجزر؛ وهو يبني أعشاشا كبيرة إما على مرتفع من الأرض أو على الأشجار.



موسم الهجرة

ولأم القماري مواعيد وفترات محددة من كل عام لتجمع وتكاثر القماري المهاجرة التي تفد إليها في شهر فبراير من كل عام بأعداد كبيرة تفوق أية تجمعات للقماري في أي مكان آخر، وتبقى في الجزر بين شهري مارس ومايو لتضع بيضها وتحتضنه حتى يفقس، ثم ترعى فراخها إلى أن تقدر على الطيران وتستكمل مسيرة حياتها ورحلة هجرتها باتجاه السواحل الشرقية لإفريقيا.

ومحمية جزر أم القماري بيئة طبيعية ثرية ومتكاملة في توازنها البيئي الذي يوفر الجمال والمتعة للزائر والباحث ومن ثم كانت جديرة بالرعاية والحماية. وكان الحفاظ على ذلك النظام البيئي الفريد هو مطمح الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها عندما وضعتها على قائمة المحميات. لكن نفع الإنسان وإفادته صار هدفا مساويا تماما في قيمته للمحافظة على النظام البيئي إذا لم يكن كلا الهدفين مجتمعين في غرض واحد هو التنمية المستدامة للبيئة الطبيعية.

وتعد أم القماري من الجزر المحمية التي تمثل بنوكا وراثية طبيعية تساعد على انتشار التنوع الاحيائي ليس فقط في ربوع المناطق المحمية بل وفي المناطق المجاورة خارج حدودها بما يبشر بمزيد من الاهتمام ودعوة المختصين بالحياة البحرية والطبيعية من القيام بالدراسات التي تستهدف الحفاظ على بيئة الجزر كما أن هواة الصيد باتوا مدعون لممارسة هواياتهم في بيئة بكر تنتظر جهود الهيئة العليا للسياحة لدعوة المستثمرين ورجال الأعمال لفتح أفق جديدة على خارطة السياحة البحرية.



ترحيب بالمستثمرين

ومن جانبه رحب محافظ القنفذة فضا البقمي بالمستثمرين ورجال الأعمال، ودعاهم للاطلاع على الإمكانات المتاحة في المحافظة لاستغلالها من خلال تنفيذ مشاريع سياحية وتجارية تعود عليهم وعلى المحافظة بالنفع، مشيرا إلى تعدد الفرص الاستثمارية في محافظة القنفذة وواجهاتها البحرية والجزر التابعة لها، ومنوها في ذات الوقت بتعاون قسم الاستثمارات ببلدية القنفذة في هذا الجانب بما يعمل على تنمية المحافظة وتنوع المشاريع بها.