محمد بن شريف الجبرتي السلمي ـ رحمه الله ـ ولد بقرية الظبيّة في وادي ستارة سنة 1310هـ تقريبا على طريق الهجرة بين مكة والمدينة ونشأ في ديار قومه بني سليم وتنقل بين القرى التي تشتهر بالعيون والنخيل والزراعة ورعي الأغنام والإبل وكانت قريته الظبية هي عاصمة وادي ستارة ومقر إمارته ومجالس الفصل بين المتخاصمين وبها عدد كبير من مزارع النخيل التي يحضرها الناس في الصيف حيث جني التمر وبيعه ووجود سوق البحول وكثرة مرتاديه من القرى القريبة وهذه العوامل ساهمت في بناء شخصية الجبرتي الاجتماعية إضافة إلى ما يتميز به قومه من الفطنة والذكاء وخفة الدم والمرح والتواصل الاجتماعي والقوانين العرفية والعادات والتقاليد الاجتماعية والتنوع الثقافي والمساحة الجغرافية الكبيرة من الظبية ووادي ستارة والحرة وصولا إلى الكامل وخليص وقديد ففي تلك الفترة تعتبر الحياة القروية في أوج قوتها مما ساعد شاعرنا الجبرتي على اكتساب القوة الاجتماعية في شخصيته وثقافة القانون والعرف القبلي والنقد والفقد فظهر رجلا واسع المعرفة والإدراك وشخصية اجتماعية ومكانة مرموقة وتربطه علاقة وثيقة مع الملوك والأمراء فقد استدعاه الملك خالد وأكرمه وقدم له مساعدات مالية وأهدى إليه سيارة

وعلى الرغم من شهرته الواسعة كان رجلا بسيطا هادئ الطباع حصل أن شكاه أحد جيرانه إلى إمارة الظبية بشأن خلاف بسيط لا يستدعي فنصح الأمير المشتكي بأن يبتعد عن الدخول في مخاصمة مع الجبرتي صاحب الشأن الرفيع والصيت الشعري والاجتماعي ولم يشعر بوجود الجبرتي ودخوله مقر الإمارة لبساطة شخصيته فتعجب منه وأنهى القضية بالصلح وتقدير الجبرتي.



رمز المحاورة

أما في الشعر فلا يستغرب على الشاعر محمد بن شريف الجبرتي هذا البروز نظرا لكونه قد نشأ في ديار قومه بني سليم منجم الشعر والشعراء منذ الجاهلية ولكن الجبرتي أكسب شعر المحاورة بعدا جديدا ونقلها على مستوى واسع وساهم في انتشارها بما أضافه لها من مفردات وألحان وطواريق وأسلوب جديد بارع النقض والفتل مدعما بالفكاهة والبساطة وتفصيل البيت الشعري على المعنى بأسلوب لا يتقنه سواه ويعتبر الجبرتي رمز المحاورة ولاتذكر إلا ويذكر اسمه وأبياته . فلما رأى منه أبناء عمومته قدرته الفائقة على مقارعة كبار الشعراء أفسحوا له المجال رغم صغر سنه ولوحظ حب الناس له وميلهم إلى شعره فقد أبعد المحاورة عن الرتابة القديمة ويعتبر المجدد الأكبر لشعر المحاورة.

ومن الشعراء الذين قابلهم في بداياته زراق الخضيري وأخيه خضر وراضي الخضيري وأحمد القايدي الهميعي وسعيد بن مغلي الحليلي وعوض الله أبو مشعاب وراشد البنوي وأخيه رويشد وساعد الثلابي وغيرهم من شعراء سليم.

وبعد أن ذاع صيته واشتهر اسمه عند القبائل المجاورة أصبح مطلبا للجمهور الذي يتناقل ويروي أبياته فكانت محاوراته مع شعراء قبيلة حرب المجاورة ومنهم صياف السحيمي وحضاض المعبدي ومبروك أبو ناب العصلاني ومعيض الجابري (العجي) وهي من أروع المحاورات .

بعد هذه المرحله ساهم الراديو في نقل صوت الجبرتي لمحبي الشعر عبر برنامج الباديه الذي كان يقدمه مطلق الذيابي ثم محمد بن شلاح المطيري رحمهما الله , فزادت شهرته واصبح ذائع الصيت في انحاء المملكه والخليج ثم زادت شهرته عندما انتقل للجموم قريبا من مكه حيث تقابل مع بقية شعراء المحاوره امثال عبدالله المسعودي الهذلي , مطلق الثبيتي , جارالله السواط, محمد بن تويم ، هلال السيالي,مريسي الحارثي , مستور العصيمي ، رشيد الزلامي ، رشيد بن مناع العازمي ,عبادل المالكي, طلق السويهري،سعد بن صرهيد الحربي , سليم الصاعدي وغيرهم من الشعراء. وعلى مستوى المملكة والخليج العربي التقى مع عدد كبير من الشعراء من خلال مهرجان الجنادرية والمغترة ومنهم خلف بن هذال وأحمد الناصر وحمود البغيلي من الكويت وشليويح العطاوي ومحمد بن شلاح المطيري وغيرهم .



شاعر الفكاهة

وتميز الشاعر الجبرتي بالفكاهة فهو صانعها ومهندسها . فكم احرج بها خصومه وجعلهم في مواقف محرجه لايحسدون عليها بل ان الفكاهه تكاد تكون الميزه والسمه الفريده في شعر الجبرتي , لم تكن فكاهة الجبرتي في الشعر لمجرد اضحاك الناس بل لديه قدره عجيبه في صياغة المعني باسلوب فكاهي فريد . اضافة الى سرعة البديهه وسرعة الرد فهو متوقد الذكاء حاضر الذهن دائما مفوه في الاجابه . يتقبل منه الجمهور والشعراء مالا يتقبلونه من غيره فلقد حباه الله هذه الميزه وخصه يها دون سواه من الشعراء , اما خفة الظل فهي حاضرة في شخصية الجبرتي وتلازمه في الملعبه او في المجالس وكان دينمو متحرك ، اذا نشط الجبرتي نشطت الملعبه واصبحت في احسن حالاتها . اضافة الى حب الناس لشخصية الجبرتي فهم يتقبلون منه كل مايقول على خلاف الشعراء الاخرين . هذا المزايا والصفات تقف مجتمعة وراء شهرة الجبرتي.

لاشك أن الشهره التي بلغها الجبرتي شهرة فريدة وقد اجمع النقاد ان الجبرتي له نهج وطريقه مميزه في المحاورات وله بصمه خاصه به ,والمتذوق الفذ يميز بسهوله شعر الجبرتي عن غيره . فهو ينتقي الألفاظ السهلة والعبارات السلسة ذات المعنى والمغنى . فيجعل لكل مقام مقال ولكل مكان ما يناسبه من المفردات والألفاظ , ففي البادية يستخدم الكلمات المعروفة عندهم والدارجة لديهم وكذلك الحال في المدن , كما انه شاعر متطور مواكب لعصره فرغم تقدمه في السن لم ينكفئ على نفسه وينعزل بل كان يسير بنفس الخطى التى يسير بها الزمن وهذا ماجعله حاضرا في اذهان الناس بل كون له جمهور من مختلف الاعمار والفئات.



محاورة في النوم

ويروى عنه رحمه الله ان بداية الشعر معه كانت على شكل احلام ورؤيا تأتيه اثناء النوم ... ففي احد الليالي راي في نومه انه قدم على ملعبه قصيد ولما توسط الملعبه سكت الصفان ( صفوف الملعبه ) فسالهم الجبرتي عن سبب سكوتهم فقالوا ان هذا الشاعر الواقف قال لنا بيت عجز الشعار عن فهمه والرد عليه ... فالتفت الة الرجل فذا هو رجل طويل جداً فقال الجبرتي هات البيت فقال الرجل :

سلام رديةٍ تضفي من ابن لـوي

رديـةٍ فتحـت بيبـان بيبانـهـا

الليله الحق يمشي فوق ميت وحي

وانته سواة الرعيه عند رعيانهـا

فرد الجبرتي عليه بالابيات التاليه :

يامرحبا وانت ماتخلق من الناس شي

ولاتعلم النفس وش تقرير ميزانهـا

الليله الحبل من فوقك ثلاثيـن طـي

مطوي كما الخيمه اللي فوق عمدانها

فانتهت الرؤيا على ذلك وبعدها بأيام بدأ يتلفظ بابيات محكمه ولكنها قليله ... وبعدها بفترة بدا اشتراكه الفعلي في المحاورات .. ومن أبياته الخالدة:

سلام من الجبرتي لاتقولون الجبرتي غاب

حضر واللي عقد روس الحبال يحلها حلي

ويحكي هذا البيت قصة الحماس الشديد عند الجبرتي فهو لا يشترك في محاورة ضعيفة الصفوف ، ومن محاورات الجبرتي محاورة جمعته مع الشاعر رشيد الزلامي يقول الجبرتي:

سلام رديـه لهـا شيمـه وقيمـه واحتـرام

ردية من هاجس مثـل القمـر فـأول شهـر

والليلة المعنى مع الشعـار يمشـي بالنظـام

واللي يبي النور الخضر واللي يبي النور الحمر

رشيد الزلامي :

يا مرحبا ترحيبة تكفيك عن شـرب وطعـام

أحيان قطف من ثمر وأحيان ضرب من حجر

والليلة المعنى جمل وانته على وسقه سنام

واللي حضر فالملعبه يعلم اللي مـا حضـر

الجبرتي:

حنا بنسري بالجمل بالسّوق وألا بالخطـام

وأنا شدادي لازم الضلعين من فوق الظهر

حنا ليا غبنا لكم فرصه وضحكه وابتسـام

وإذا حضرنا خش جوف الغار يالذيب الحمر

رشيد الزلامي ;

يابن شريف لا ذعرك الملح كفيّـت اليـدام

عيت يدين القوم لا تعدلك يالعّـود العجـر

ماني بخاطب بنتك اللي خشمها ماله أزمام

أصحابها زيد وعمر دور لها زيـد وعمـر

القصائد والنظم

ولم تكن المحاورة مجال شعره الوحيد فالجبرتي شاعر حكمة وبارع في جميع أغراض الشعر كالمجالسي وله قصائد عديدة من أشهرها قصصه مع الذئب في وادي حجر والبعوض والسيل والراديو والتلفزيون وغيرها والتي يكون فيها شخصيتين (الشاعر وخصمه) بتمكن ومقدرة كبيرة ودور تمثيلي مسرحي . وفي الزومال ( الحدا) خاض غمار هذا الفن وله زواميل مشهورة منها زومالته الشهيرة للخضرة من سليم يقول فيها:

سلام ياقصرٍ جويـد السـاس والمعنـى سياسـي

وانا ليا قيّسـت لـي بقيـاس ماينقـص قياسـي

مثل الذهب والماس والياقـوت مافيـه التماسـي

وانتم تعرفون الذهب والمـاس مافيـه التمـاس

جانا اشريف حسين يشكي من حسن والوقت قاسي

ويقول انا الراس الكبير وراسكم من تحت راسـي

يبغى يلبسنـي لبـاس فالعـرب ماهـو لباسـي

وحسين مايرضى علي المنقوص راسه تحت راس

ورد عليه الشاعر راضي الخضيري قائلا:

يامرحبا في مرحبا مـن واحـدٍ ماهـو بناسـي

والقصر ثابي في محله مثـل قاسيـة الرواسـي

وانته منيّـر ماقفـه نهـار جـلاك الحساسـي

قيست لي بقياس ميـر اليـوم ضيعـت القيـاس

جاك الشريف حسين وهو منزله فوق الكراسـي

واليوم طبعه مختلف واشوف في شوفه عماسي

والحبل ملوي من وراه ان كان في راسه عطاسي

حنا عيـال الجـد فالعـادة نقيـس ولا نقـاس



شاعر القبيلة

وهو شاعر القبيلة الأول فعندما زار صاحب السمو الملكي الأمير أحمد بن عبد العزيز نائب إمارة مكة المكرمة آنذاك إمارة الظبية استقبله الجبرتي بقصيدة على طرق الحدا مطلعها:

يامرحبا بالزائر الي زارنا جـوف البـلادي

احمد ولد عبدالعزيز اللي سواة النور بـادي

تفرح به الاشجار والاثمار ونفوس العبـادي

عساك عايد ياهلال العيـد ومـن العايديـن

يالله طلبتك ياكريم الوجـه ياخـلاق هـادي

يارافع السبع الشداد وباسط السبع المهـادي

تنصر ملكنا اللي علينا مجتهد كل اجتهـادي

يارب تقبل لي دعايـة يا مجيـب الطالبيـن

ومن قصيدة له يقول:

ميزت في الدنيـا وميـزت فالبشـر

وأيامـنـا وليالـهـا تـجـريـب

زمـان يحايلنـا وحنـا نحايـلـه

والناس تخطـي والزمـان يصيـب

وميزت في الشايب وميزت في الولد

ومن طال عمره في الزمان يشيـب

والقصيده التاليه نظمها الجبرتي يرحمه الله قبل وفاته باسبوعين تقريبا وهي مسك الختام .

فبعد مشوار طويل من عمره الشعري وبعد ان التقى بالعديد من عتاولة شعر المحاوره , قارعهم وقارعوه ، استفاد منهم واستفادوا منه، بعد ان عاش دهرا من عمره ينافح عن قبيلته قبيلة سليم العريقه ، حيث كان سيفهم القاطع في المعارك الشعريه ، هاهو في قصيدته هذه يختصر الزمان لنا ويعطينا خلاصة تجربته في اربع كلمات (اثر للشعر حسنات وسيه) نعم الانسان محاسب على شعره كمحاسبته على كلامه العادي ، فمن الواجب على الشعراء الانتباه لهذا وهو ما اراد الجبرتي رحمه الله ان يوضحه لهم:

قريت الشعر بالمعنى قريته

واخذت الشعر بالمعنا صبيا

وياكم بيت بالمعنى بنيته

وما قلته وماهو قيل فيا

انا لا جيت فالمحضر شريته

ويشهد جملة الجمهور ليا

ومن يعرض على دربي وطيته

ولي صدمات فالمحضر قويا

اذا مني نويت اللي نويته

طلبت الله خلاق البريا

قضيت الحق من خصمي قضيته

وانا قاضي وحلال القضيا

وكم ميقاف لربوعي حميته

وهذي من لوازمهم عليا

اذا من اختلط سمنه وزيته

وراحت بين اهل هذي وذيا

ترى ما ينفع الرجال ليته

وكلمة ليت فالمجلس خطيا

اقول انه بلاني وابتليته

اثر فالشعر حسنات وسيّا

توفى الجبرتي رحمه الله في مساء يوم الاحد الموافق 17/4/1414 هجريه في منزله بالجموم وقد فقدت الأوساط الشعبية بوفاته شاعراً فريداً اثرى ساحة شعر المحاورة بأجزل الأبيات و نظم الشعر في أغلب الأغراض ولم يوثق منه إلا القليل واهتم ابنه الشاعر عبد الله بن محمد الجبرتي بإرث والده الأدبي والمحافظة عليه وأصدر الديوان الأول وبصدد إصدار الديوان في طبعة جديدة قريبا.