وقف رجل أمام أحد الخلفاء يستعرض مهارته في قذف مائة إبرة خياطة، كل إبرة منها تدخل في ثقب الإبرة التي قبلها؛ ممّا أذهل الحاضرين، ولفت نظر الخليفة، الذي أمر بمكافأته بمائة دينار، وجلده مائة جلدة.. أمّا المائة دينار فقال الخليفة أنها مكافأة للرجل على مهارته الفائقة؛ وأمّا المائة جلدة فهي لإهدار وقته في تعلُّم ما لا ينفع بدلاً من تسخيره في خدمة البلاد والعباد.
*****
بالطبع لم يكن هناك وقتها موسوعة "جينيس" للأرقام القياسية يسجل فيها صاحبنا إنجازه غير المسبوق. لكن العبرة هنا، هي أن التلهّي بالصغائر، وانشغال الناس بها بعيدًا عن تحقيق إنجازات ملموسة على أرض الواقع تقود إلى إضافات يستفيد منها الوطن والمواطن، تُشكِّل نقلة نوعية في حياته اليومية. وهناك مئات بل عشرات الآلاف، إن لم يكن مئات الآلاف، بل الملايين من المخترعات التي شهدتها البشرية منذ اكتشاف النار.. وحتى اكتشاف أو اختراع القنابل الذرية والنووية التي تُحيل عالمنا إلى نار موقدة تقضي على الملايين من الأرواح البشرية.
*****
لكن وبينما ينشغل الناس في دول العالم بالعمل والإنجاز.. ينشغل البعض في مجتمعات أخرى بوضع العصا في عجلة كل ما يمكن أن يُشكِّل نقلة نوعية في المجتمع، أو إضافة جديد يخدم تطوره وتنميته. فتُهدر إمكانيات كان يمكن أن يستفيد منها المجتمع على لغو الكلام والنقاش حول ما إذا كان هذا المخترع أو ذلك لا يصطدم مع تقاليد المجتمع وقيمه، أو فيه شبهة التشبه بالغرب، متناسين أن التقدم والابتكار في المجال التكنولوجي أصبحا اليوم محرك النمو الاقتصادي في المجتمعات الحديثة. فتنمية المجتمعات اليوم تعتمد على إرساء الأسس المتينة لبناء قدرتها على اكتساب وإيجاد معارف وتكنولوجيا من أجل الإفادة من كافة الفرص المتاحة لتنمية المجتمع، والاستجابة للتحديات العالمية المحيطة به.
*****
إن الفرد وجهده وسعيه في استثمار الوقت واستغلال الفرص، نتيجة حتمية لبناء شعب حيوي منتج غير متكاسل، يمكنه أن يبني الدولة المدنية المتطورة، التي لا يمكن بناؤها بالتمنيات، أو بإضاعة الوقت وإهداره من دون سبب، فالساعات التي يضيّعها الإنسان هنا وهناك، بلا استثمار ولا استغلال، إنما يضيع بها جزءًا من وجوده. يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "الساعات تنهب الأعمار"؛ لذا فإن من العار على المجتمعات الإسلامية التي وضع فيها الإسلام العمل كقيمة سامية أن تركن إلى الكسل والخمول، بينما العالم كله يتحرك. فنحن مطالبون بالعمل حتى آخر نبض في عروقنا. يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها).
* نافذة صغيرة:
(إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة).. الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.