بيّنتُ في الحلقة الماضية إجماع الأئمة الأربعة وأئمة المفسرين على كشف المرأة لوجهها وكفيْها بموجب آيات قرآنية قطعية الدلالة, وفي هذه الحلقة سأورد أدلة أخرى من القرآن الكريم على كشف المرأة لوجهها, منها:
1.﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ويحفظن فروجهن﴾[النور: 30-31]
ولو أن ّالله أمر المرأة بتغطية وجهها لما أمر الرجال بغض البصر، كما أمر النساء بغض البصر لكشف الرجال وجوههم.
2.﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: 52]
تقرر هذه الآية أنّه لا يحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم الزواج من بعد تحديد تعدد الزوجات، ولو أعجبه حسن بعض النساء، وكيف يعجبه حسنهن دون رؤية وجوههن؟ مع العلم أنّ الرؤية هنا غير رؤية الخاطب. إذن الرؤية هنا هي الرؤية العابرة التي يرى فيها الرجال وجوه النساء في عامة الأحوال، والتي قد يتبعها إعجاب بحسن إحداهن.
3.﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾[البقرة: 235]
وقد أورد الطبري في تفسيره لهذه الآية عدة روايات عن الصحابة والتابعين في كيفية التعرّض بالخطبة في زمن عدة الوفاة، وعدة الطلاق البائن: عن ابن عبّاس، يقول الرجل: إنّي لأحب امرأة من أمرها وأمرها يعرض لها بالقول بالمعروف. وعن مجاهد يقول: «إنّك لجميلة وإنّك لنافقة»أي مرغوب فيها, ومنها ما رواه مسلم عن فاطمة بنت قيس عندما طلقها زوجها, قال لها رسول الله عليه الصلاة والسلام فإذا انقضت عدتك، فآذينيني» أي أعلميني, فلو لم تكن سافرة الوجه لما رشّحها رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون زوجة لأسامة، فعرّض بخطبتها وهي في عدتها. وقد كانت رضي الله عنها– كما قال ابن حجر في فتح الباري- من المُهاجرات الأُول، وكان لها عقل وجمال.[1/402]
4. ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مِا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ َفَقُلْ تَعالَوْا نَدُعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ على الكَاذِبين﴾[آل عمران: 61]
قد أجمعت كتب التفسير والسيرة النبوية المطهرة على أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم خرج لملاقاة نصارى نجران ومعه الحسن والحسين وابنته فاطمة رضي الله عنهم أجمعين، ولم يصحب معه أحداً من نسائه لفرض الحجاب عليهن، وكان هذا في السنة العاشرة للهجرة أي بعد فرض الحجاب بخمس سنوات، والسؤال هنا على أية هيئة خرجت السيدة فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حين لم يخرج أحد من نسائه لضرب الحجاب عليهن؟
هذا يعني أنّ وجوب تغطية الوجه فقط على أمهات المؤمنين اللاتي خصهُن الله جل شأنه بقوله:(وإِذّا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعَاً فاسأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابِ)،وهذه الآية التي يستشهد بها الذين يقولون بوجوب تغطية وجه المرأة ،مع أنَّها خاصة بأمهات المؤمنين ،والتي لم يكملوها, وتكملتها هي:(ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوُبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤُذُوُا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أنْ تَنْكِحُوُا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إنَّ ذّلَك كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمَاً)[الأحزاب: 53]
فهذه الآية وأحكامها خاصة بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، فنساء النبي صلى الله عليه وسلم ليس لهن الزواج بعده، فهل هذا ينطبق على النساء أجمعين؟
عندما نستخلص حكماً من آية فلابد لنا من إكمالها، وذكر ما قبلها وما بعدها، ولا نجتزئ منها الجزء الذي يؤيد الحُكم الذي نريد، والآيات السابقة لهذه الآية توضح هذه الخصوصية، يقول تعالى:(يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا *وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا* وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)[الأحزاب: 30- 33]
للحديث صلة.