كان عبدالله بن العباس في مكة وأقام بها إلى أن أخرجه ابن الزبير منها، لتوقفه عن مبايعته فسكن الطائف حتى مات بها، فخرجوا إلى الطائف فلما عَلم أهل الطائف بمقدم ابن العباس اقبلوا على مجلسه ليفقههم في دينهم، فسأله سائل عن قوله تعالى {ما يعلمهم إلا قليل} فقال ابن العباس: أنا من أولئك القليل (9)، وقبره مشهور بالطائف، وقال ابن فهد: وأخبرني غير واحد أنه شَم من قبره رائحة المسك، ولا خلاف بين أهل العلم بالتاريخ أن عبدالله بن العباس توفي بالطائف، وأن ضريحه بالطائف، وأن عبدالله بن العباس المدفون بالطائف لا خلاف فيه أيضًا..

نقل أيضًا من خط قاضي القضاة أبي حامد بن الضيا الحنفي، أن الآثار التي بالطائف ووج بالمسجد الذي فيه قبر سيدنا عبدالله بن العباس رضي الله عنهما، وفي آخره مسجد صلى فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو في آخر المسجد اتجاه القُبة مما يلي الباب الشرقي (10)..

وفاة ابن العباس: توفي عبدالله بن العباس بالطائف، سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير، رضي الله عنهما، عن إحدى وسبعين سنة، وفي إمارة عبدالملك بن مروان، وصلى عليه محمد بن الحنفية، رحمه الله تعالى، وقال: (اليوم مات رباني هذه الأمة)، وقال ميمون بن مهران: شهدت جنازة عبدالله بن العباس رضي الله عنهما، فلما وضع ليصلى عليه جاء طائر أبيض فدخل في أكفانه، وأخرج يعقوب بن سفيان عن طريق عبدالله بن أنس، قال أخبرني أبي أنه لما مرّ بجنازة عبدالله بن العباس، جاء طير أبيض يقال له الغرنوق فدخل في النعش فلم يجد بعد.. سمعوا صوت قارئ لا يرون شخصه يقرأ قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّك ِرَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)} (11)، وصلى عليه محمد ابن الحنفية وكبَّر أربعًا، وضرب على قبره فسطاطًا، وهذا القبر مشهور في مسجد كبير بالطائف.

هذا الصحابي الجليل: عبدالله بن العباس رضي الله عنهما، ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأن ضريحه بالطائف، لا فرق في تعريفه أو تنكيره.. أبعد هذه الأحاديث والروايات والشواهد نتجاهل موقع قبره ومسجده، الذي أصبح علمًا من أعلام النبوة وآثرًا خالدًا في الإسلام (12)؟

هناك عشرات بل المئات من الأحاديث والروايات التي انفرد بها هذا الصحابي الجليل الذي أشرقت له نور الضياء للطائف ومن معه من الصحابة والشهداء رضوان الله عليهم أجمعين، وكان يوجد على قبة ضريح عبدالله بن العباس رضي الله عنهما، اسم الملك المظفر صاحب اليمن، وقد هدمت القبة الأخيرة في توسعة السعودية لهذا المسجد في عام 1378هـ، وتم الانتهاء من بناء مسجد ابن العباس عام 1381هـ، وأصبح قبر عبدالله بن العباس رضي الله عنهما، خارج المسجد من الناحية الشمالية الغربية محاطًا بسور منفصل بدون قُبة ولا أثر لها وهو من جهة مدخل النساء (13)..

قبر محمد بن الحنفية: وبجوار قبر عبدالله بن العباس رضي الله عنهما يوجد قبر أبي القاسم محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، والمعروف بابن الحنفية نسبة لأمه، وهي خولة بنت جعفر من ذرية حنيفة بن نجيم.

وقد نحله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكنيته، فروى عن علي رضي الله عنه، أنه قال (قلت يا رسول الله إن وُلِد لي مولود بعدك أسميه باسمك أو أكنيه بكنيتك؟ قال: نعم، وقال ابن خلكان: (توفي رحمه الله تعالى في أول محرم سنة إحدى وثمانين للهجرة، وقيل سنة ثلاث وثمانين، واختلف في قبره، والصحيح أنه دفن بالطائف في الركن الشمالي من قبة سيدنا عبدالله بن العباس رضي الله عنهما.

قبر سقط النبي: يقع في الركن الشمالي، قبر يقال إنه قبر سقط لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو سيدنا عبدالله ذي اللقبين الطيب الطاهر.

قبر زيد بن ثابت: ومنها قبر زيد بن ثابت، وهو بالجبانة خارج المسجد، وهو كاتب الوحي للرسول صلّى الله عليه وسلّم وقد دفن من غير شك عند أهل الطائف وحاليًا يقع قبره خارج مسجد ابن العباس من الجهة الشمالية الغربية، تظله شجرة من الأثل كبيرة، يقدر عُمر الشجرة بأكثر من خمسمائة عام، وبالقرب من المقبرة مكتبة عبدالله بن العباس من الجهة الشمالية.

مسجد عبدالله بن العباس رضي الله عنهما:

وهو أكبر المساجد بالطائف الذي فيه (قبره) وفي موقع مسجد ابن العباس رضي الله عنهما، موقع لمسجد ينسب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو تحويطة صغيرة في ذلك التاريخ، ملاصقة للجدار القبلي من القبة الأخيرة الكائنة في آخر المسجد العباسي على اليمين الداخل من الباب الشرقي، وهذه القبة هي إحدى القبتين المبنيتين في موضع (خيمتي) زوجتيه اللتين كانتا مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم في غزوة الطائف في السنة الثامنة من الهجرة صلّى الله عليه وسلّم وهما (زينب بنت جحش وأم سلمة) رضي الله عنهما، وأول من بنى هذا المسجد / عمرو بن أمية بن وهب بن معتب بن مالك الثقفي، لما أسلمت ثقيف في السنة التاسعة من الهجرة النبوية، في مؤخرة المسجد الذي فيه قبر عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، وفي جداره القبلي حجر مكتوب فيه: أمرت السيدة زينب أم جعفر زبيدة بنت أبي الفضل العباسي، بعمارة مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالطائف وذلك في سنة 192 من الهجرة (14)، وما يتضح من هذه الروايات والسيرة العطرة، على موقع مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما يرويه البعض حاليًا، بأنه موقع لصنم اللات، وهذا القول: منافٍ للحقيقة، وتصحيحًا لهذا القول: أن موقع صنم اللات يقع في الجهة الغربية من مسجد ابن العباس، المطل حاليًا على (شارع هدية) من الغرب.

وذكر ابن كثير أن اللات صخرة بيضاء منقوش عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة وحوله فناء معظم عند أهل الطائف وهم من ثقيف ومن تبعها. وكانت تحت صخرة اللات حفرة يقال لها (غبغب) حفظت فيها الهدايا والنذر والأموال التي كانت تقدم إلى الصنم، فلما هدم المغيرة بن شعبة، وسفيان بن حرب الصنم أخذ تلك الأموال وسلمها إلى أبي سفيان بن حرب امتثالًا لأمر الرسول. وللإخباريين روايات عن صخرة اللات منها، أنها في الأصل صخرة كان يجلس عليها رجل يبيع السمن واللبن للحجاج في الزمن الأول، وقالوا: إنها سميت باللات لأن عمرو بن لحي يلت السويق للحجاج على تلك الصخرة، وقالوا: بل كانت اللات في الأصل رجل من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو بن لحي: لم يمت، ولكنه دخل في الصخرة ثم أمر بعبادتها، وأن يبنوا بنيانًا يسمى اللاّت (15)، وهذا يدل على أن موقع اللات على صخرة.

وهذا نص آخر من الأدباء والمؤرخين والرحالة من عرب وأجانب لدى مرورهم أو زياراتهم لهذه المدينة الجميلة، قد رسموها وصورها بريشة قلوبهم، قبل أن يخطوها بأقلامهم التي سجلتها ذاكرة التاريخ لمدينة الطائف المأنوس.. (لقبر ومسجد عبدالله بن العباس)

الرحالة ومشاهدتهم الطائف ومسجد ابن العباس:

* ناصر خسرو: الذي زار الطائف يوم الاثنين 22/12/442هـ، 1051م، وهو أول الرحالة الذين شاهدوا الطائف وتكلم عنها بقوله: الطائف موضع أكبر من قرية ودون المدينة، وللطائف سور محكم وسويقة صغيرة وجامع متوسط، ومياه غزيرة، وأشجار رمان وتين كثير وبجوارها قبر عبدالله بن العباس رضي الله عنهما، وقد بنى الناس هناك مسجدًا (يقصد بناء المسجد الذي بنسب لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي بنته (زبيدة زوجة خليفة المسلمين هارون الرشيد سنة 192 من الهجرة)..

* الرحالة عبدالله بن محمد العياشي، الذي زار الطائف سنة 1073هـ ـ 1662م، قال: وصلنا بلدة الطائف وهي قصور في مستوى الأرض تحيط بها جنات من نخيل وأعناب كثيرة الفواكه وتحدث عن مسجد ابن العباس..

* الرحالة ج. ل. بوكهارت، الذي وصل إلى الطائف في شهر رمضان من عام 1230هـ ـ 1814م، وتحدث عنها بقوله: لقد رأيت مسجدين صغيرين، أجملها مسجد الهنود، ورأيت مقبرة وعليها قبة حسنة، وعادة يزورها الحجيج.

* الرحالة الفرنسي مويستاميز ير، الذي زار الطائف سنة 1250هـ ـ 1834م، وتحدث بما شاهده فقال: وبجانب باب المسجد العظيم، حيث النصب التذكاري الجنائزي الذي يعد أهم الأشياء الممكن مشاهدتها، وهي قبة كبيرة وأسوارها مزينها بالدربزان والنقوش الإسلامية، إنه قبر ابن العباس نفسه، ومنه أخذ المسجد اسمه..

* كما زار الطائف الرحالة: الفرنسي شارلزد يدير، سنة 1268هـ ـ 1854م، وتحدث عنها بقوله: وقبل زيارة الريف لاحظت مسجدًا جميلًا قريبًا من أسوار المدينة، وفيه قبر عبدالله بن العباس ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهذا المسجد الذي وضع اسمه على البوابة القريبة منه هو العمارة الدينية الوحيدة في الطائف..

* كما وصل الرحالة الإنجليزي الدِن روتر، إلى الطائف وكتب عن مشاهدته لها سنة 1344هـ ـ 1925م، ومشاهدته لمسجد عبدالله بن العباس..

* وزار المؤرخ محمد صادق باشا، أيوب صبري باشا، وكتب المؤرخ إبراهيم رفعت باشا، عن مدينة الطائف سنة 1304هـ ـ 1886م، بقوله: وفي ساحة الحرم الشريف توجد مقابر عبدالله بن العباس وخدم سيد البشر المطهرين طيب الله ثراهم، في الجهة الغربية من الحرم الشريف، في مواجهة الباب خارج السور، يوجد مدفن زيد بن ثابت كاتب الوحي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبجوار ابن العباس مقام الطيب ولد الرسول صلّى الله عليه وسلّم عبدالله..

* وزار الرحالة محمد لبيب البتنوني الطائف سنة 1327هـ ـ 1909م، وتحدث عنها بقوله: وفي الطائف قبر ولد الرسول صلّى الله عليه وسلّم عبدالله الملقب بالطيب والطاهر، وقبر سيدنا عبدالله بن العباس، ويقصده اليمانيون لزيارته قبل الموسم وله احترام كبير..

* كما زارها عدد من المؤرخين خلال القرن الحالي وهم: خيرالدين الزركلي الذي زار الطائف سنة 1339هـ ـ 1920م، ومشاهدته للطائف وذكر قبر ومسجد عبدالله بن العباس رضي الله عنهما، وكذلك زار المؤرخ شكيب أرسلان الطائف سنة 1348هـ ـ 1929م ، وكتب كثيرًا عن مشاهدته للطائف وذكر المقابر وقبر ومسجد ابن العباس..

* كما زار المؤرخ محمد حسين هيكل الطائف سنة 1357هـ ـ 1938م، وكتب عن مسجد عبدالله بن العباس وقبره الشريف رضي الله عنهما..

* كما زار الرحالة الإيطالي كارلو البرتو نالينو الطائف سنة 1357هـ ـ 1938م، وكتب عن مشاهدته بقوله: المعالم منها المسجد الأكبر والأهم هو: مسجد ابن العباس ويقع خارج السور من الجهة الشرقية، قرب البوابة المعروفة بنفس اسم المسجد (16)..

وهذا المدلولات والحقائق الناصعة كوضح الشمس في رابعة النهار، وعلى الجهات المختصة حث منسوبيها بالتعريف لهذه المواقع الأثرية والإسلامية، التي تزخر بها قبلة المسلمين ومفخرة عظيمة أمام العالم أجمع، بعدم التعرض لها بأي حال من الأحوال، أو إنكار مواقعها التاريخية أو المساس بها، مع شرح هذه الأماكن بمعلومات صحيحة لكل أثر، وعدم الخوض في مثل هذه الحالات أو تحريف لأي معلومة.

وفي الختام أرجو من الله سبحانه وتعالى أن أكون قدمت لمحة موجزة لهذا البحث للقارئ الكريم، والله المستعان والهادي إلى سواء السبيل..



المصادر والمراجع:

(9) فقهاء الصحابة، عبدالله بن العباس، عبدالعزيز الشناوي، ص 171.

(10) تحفة اللطائف في فضل الحبر ابن العباس ووج والطائف، محمد المدعو جارالله بن عبدالعزيز بن فهد، تعليق ومراجعة محمد سعيد كمال، محمد منصور الشقحاء، ص 103، 124، 125، 127، 141، بتصرف واختصار.

(11) سورة الفجر من الآية 27 إلى 30.

(12) إهداء اللطائف من أخبار الطائف ص 65، 67، 68، 69، 71/ تحفة اللطائف ص 127، بتصرف واختصار.

(13) بهجة المهج، ص 74.

(14) شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، الحافظ أبي الطيب تقي الدين الفاسي، ج2، ص 171.

(15) تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، ج 6، ص 227 - 229.

(16) الرحلة الحجازية، محمد لبيب البتنوني، ص 52/ حاج في الجزيرة العربية، هاري فيلبي، ص 209، 210/ الطائف العاصمة الصيفية، د. انجلو بسك، ترجمة وتعليق د. يوسف الثقفي، ص 48، 50، 54، 55، 57، 59، 60، 63، 68، 69، 70، 71/ ما رأيت وما سمعت، خيرالدين الزركلي / الارتسامات اللطائف، شكيب أرسلان / في منزل الوحي، د. محمد حسن هيكل.



essa.5@hotmail.com