أعادت لي ذكريات مسجد الغمامة تغريدة تويترية صاحبتها صورة له قبل أن يزال ما حوله في توسعة المسجد النبوي الشريف، وهي صورة تثير الكثير من الذكريات لمن ارتبط في سنيِّه الأولى بتلك الموضوعات، والذكريات صدى السنين الحاكي.
اسمه في التاريخ مسجد المُصَلَّى، حيث كانت تقام في موضعه صلاة العيد وصلاة الاستسقاء، وكان موضعه صحراء لا بناء فيها، وأول عيد صُلِّي فيه بعد مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم بسنتين، واستمرت إقامة صلاة العيد فيه إلى أواخر القرن التاسع الهجري، وقد بُني مسجداً في إمارة عمر بن عبدالعزيز على المدينة المنورة ما بين 87- 93هـ على ما ذكره السمهودي في وفاء الوفاء، وإنما سمي مسجد الغمامة لما روي أن غمامة ظللت النبي صلى الله عليه وسلم بعد إحدى صلوات الاستسقاء، كما أن المصلّى في الأصل هو مكان صلاة العيد، لكن تاريخيًا صار علمًا بالغلبة على ما حول مصلَّى العيد على سبيل التوسع وصار المسجد لا يعرف إلا بمسجد الغمامة، والبناء الذي مازال قائمًا هو عمارة السلطان العثماني عبدالمجيد الذي حكم ما بين 1255- 1277هـ ثم رممه السلطان عبدالحميد الذي حكم ما بين 1293- 1327هـ، وهي الصورة المنشورة في التغريدة.
وقد ارتبط المصلَّى (بعد أن أصبح علمًا بالغلبة على ما حوله) بالنقا والمُنحنى في شعر الحنين إلى المدينة، والنقا هو ما يسمى اليوم بحي العنبرية غربي المُصلّى، أما المنحنى هو ما جنوب مسجد الغمامة ويعرف الآن بالتاجوري، قال أحد الشعراء:
ومن عاين المنحنى والنقا
فما بعد هذين إلا المصلّى
وارتبط بالأماكن الثلاثة (حاجِز) وهومن مسجد باب العنبرية شرقًا إلى تقاطع الدائري الغربي مع طريق عُروة، ولا يتسع المقام لما ورد في هذه الأماكن من شعر الشوق والحنين، ولكنها صارت رمزًا للحب والشوق عند الشعراء.
تلك نبذة تاريخية عن المصلّى أو مسجد الغمامة ذكّرت بها الصورة التاريخية، أما الذكريات فما أكثرها، ومازالت صورة المكان منطبعة في مخيِّلتي ومخيلة كل من أدرك صورة المكان مما هو حول مسجد الغمامة، وكم تمنيت أن تكون تلك المواضع وغيرها قد صوّرت في أفلام تسجيلية قبل الإزالة لترى الأجيال التاريخ، فلم يَبق منها سوى مسجد الغمامة، رمزًا للذكرى، وفي الذكرى متاع لمشاهدة الماضي.
في شمالي مسجد الغمامة يقع ميدان مسجد الغمامة وهو نهاية شارع المُناخة من الجنوب، تدور حوله السيارات، وكانت به إشارة مرور يدوية يديرها رجل المرور، حيث يريد توجيه السير وتوقيف المسارات الأخرى، وبجوار الميدان أسطوانة تعلوها ساعة (جوفيال) وكانت هذه الساعة إذ ذاك هي ساعة الشباب بلونها الأصفر، ولم تكن غالية، ولا يفوقها جودةً سوى الساعة أم صليب (ستزن) ولكنها دونها في جمال المظهر، وسميت أم صليب لوجود علامة زائد فيها، وكان هناك من يطمسها بعد أن سُمح ببيعها، وكانت من قبل ممنوعة لذلك، ويمتد شارع المناخة من هذا الميدان إلى ثنية الوداع، وقد أصبح مكانه الآن نفقاً وأزيلت الثنية.
في غربي الميدان أسواق المدينة المنحصرة بينه وبين المسجد النبوي، وكان لكل مدينة سوق، ولكل سوق شيخ مهنة يحافظ على حق البائع وسمعة المهنة وحق المشتري، وفي شرقي مسجد الغمامة مبنى الخالدية يفصل بينهما شارع صغير، والخالدية بناية كبيرة كانت مقر الشرطة، ولكن أهل المدينة صاروا يسمون الشرطة الخالدية، فإذا قيل هو يعمل في الخالدية أو هو محبوس في الخالدية، فذلك يعني الشرطة، وجنوب الخالدية (الخان) وهو سوق اللحوم والخضار والفواكه تحيطه أربعة شوارع، وهو مسقوف ونظيف، وكان الناس يشترون منه يوميًا ما يحتاجون إليه لعدم وجود الثلاجات، وبجوار المسجد من الغرب مبنى الهاتف ومنزل للخريجي كان آية في جمال العمارة، وفي شماله مقاهٍ كانت عامرة بالناس، حيث يأتون بالشاي والسُّكر في أقماع صغيرة بقدر إبريق الشاي ذي الأربعة أو الستة الفناجين ليصنع الشاي القهوجي، ويقدم لهم ثلاجة وهي قارورة توت ملئت بالماء المخلوط بالثلج، ذكريات ما أكثرها وأمتعها، لكن المجال لا يتسع لها، ولله تلك الصورة ولله عبير الذكريات، ليس حنينًا لماضٍ، بل هو الزمن الجميل تبعثه الذكريات وعبق المكان.