بعد سقوط بغداد على يد المغول عبروا فلسطين في وجهتهم إلى مصر التي بقيت المعقل الأول في العالم الإسلامي حيث القوة التي يمكن أن تجابه المغول، وتوقف نيران حقدهم التي أحرقت شرق العالم الإسلامي والعراق وبلاد الشام، وكان هولاكو زعيم المغول يخطط للاستيلاء على مصر، فأرسل خطابًا مرعبًا إلى سلطان المماليك في مصر سيف الدين قطز يهدده فيه ويتوعد، ومنه ((يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية، وما حولها من الأعمال أنا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غضبه، فلكم بجميع البلاد معتبر وعن عزمنا مزدجر فاتعظوا بغيركم، وأسلموا إلينا أمركم قبل أن ينكشف الغطاء، فتندموا، ويعود عليكم الخطأ فنحن مانرحم من بكى ولا نرق لمن شكا، وقد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد وطهرنا الأرض من الفساد وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب، وعلينا الطلب، فأي أرض تؤويكم، وأي طريق تنجيكم، وأي بلاد تحميكم ؟ فما من سيوفنا خلاص، ولا من نهابتنا مناص، فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لاتمن، والعساكر لقتالنا لاتنفع، ودعاؤكم علينا لايسمع، فإنكم أكلتم الحرام، ولاتعفون عند كلام وخنتم العهود والإيمان، وفشا فيكم العقوق والعصيان فأبشروا بالمذلة والهوان، ( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ) [الأحقاف20: ], ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) [الشعراء227:] فمن طلب حربنا ندم ومن قصد أماننا سلم، فإن أنتم لشرطنا ولأمرنا أطعتم، فلكم مالنا وعليكم ما علينا، وأن خالفتم علكتم، فلا تهلكوا أنفسكم بأيديكم، فقد حذر من أنذر، وقد ثبت عندكم أننا نحن الكفرة، وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة وقد سلطنا عليكم من له الأمور والمقدرة، والأحكام المدبرة، فكثيركم عندنا قليل، وعزيزكم عندنا ذليل، وبغير الأهنة مالملوككم عندنا سبيل، فلا تطيلوا الخطاب وأسرعوا برد الجواب)) ... إلى آخر ما كتب.
كان سلطان المماليك سيف الدين قطز (رحمه الله) معروفًا بالتقوى والصلاح، كثير الصلاة في الجماعة بعيدًا عن الخمر واللهو والمحرمات ناصحًا للإسلام وأهله يحبه الناس ويدعون له بالخير مع أنه لم يتولى سوى عدة أشهر, وقد استقبل خطاب هولاكو فجمع العلماء والقادة والأمراء يستشيرهم في الرد عليه، فتفاوتت أراؤهم حول الموضوع، وكان بعضهم جباناً طلب من قطز التسليم للمغول بقيادة هولاكو، وأنه لاداعي لقتالهم حيث أنهم انتصروا على كل من قبله وسينتصرون عليه، وحاول أولئك الجبناء التهويل على قطز، وتذكيره بما فعل في المغول في الشام والعراق وغيرها وتخويفه من سطوتهم وقد أقترح بعضهم الفرار إلى المغرب أو اليمن حيث لم يصلها المغول بعد، ولكن رأي قطز (رحمه الله) كان واضحًا وحازماً وهو أنه سوف يقاتل هؤلاء الغزاة الذين قتلوا العباد وأفسدوا البلاد وأنتهكوا المحرمات ولذلك فقد رد على من يرى عدم القتال من الأمراء والقواد قائلًا: ((يا أمراء المسلمين لكم زمان تاكلون أموال بيت المال وأنتم للغزاة كارهون وأنا متوجه فمن أختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته فإن الله مطلع عليه وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين)), ثم أن قطز (رحمه الله) اتخذ خطوة عملية يقطع فيها التفاوض مع المغول فقد أمر بقتل رُسل هولاكو وتعليقهم على أبواب القاهرة, وكان إعلان قطز خروجه بنفسه لقتال المغول أكبر دليل على صدقه في نية القتال، ونودي في القاهرة وسائر الأقاليم المصرية بالخروج للجهاد،وبدأ قطز يعد الأمور المختلفة للترتيب ومن ذلك أن الأجناد كانت بحاجة إلى الكثير من الأموال في طور الإعداد والتجهيز للمعركة، ولذلك فإن قطز (رحمه الله) فكر في فرض بعض الضرائب والأتاوات على الناس بغرض الإعداد للجهاد، ولكنه (رحمه الله) لم يقرر هذا الأمر بنفسه ويفرضه على الناس بل جمع العلماء والقادة للتشاور معهم حول هذه القضية، فوافقه القضاة والقادة على فرض الضرائب على الناس ولكنه سمع كلمة حق من سلطان العلماء الشيخ العز بن عبد السلام (رحمه الله) حيث قال: (لابد أن تدفع أنت وجميع الأمراء والمماليك جميع ما تملكون من ذهب وغيره، فإذا لم تكف هذه الأموال دعونا الناس إلى الجهاد بأموالهم، أما أن يدفع الناس أموالهم وأنتم تكنزون الذهب والفضة؟ !! فلابد أن تضربوا للناس المثل الأعلى)) لقد لقيت كلمات العز بن عبد السلام الناصحة أذنًا صاغية عند السلطان قطز فبدأ بنفسه وأخرج مالديه من الأموال والكنوز قبل أن يطلب من الناس المساعدة بأموالهم لقتال المغول، كما بادر كثير من الأمراء إلى الاقتداء به فأخرجوا كنوزهم.
كانت خطة قطز (رحمه الله) المبادرة لملاقاة المغول بهجوم مباغت قبل وصولهم إلى مصر، وقد تطلب هذا الأمر من الجيش المصري المسلم أن يكون مرورهم على الساحل عن طريق بعض المناطق الصليبية التي كانت في حالة حرب مع المسلمين، وفي حالة وفاق وسلام مع المغول، فخشي المسلمون منهم، ولذلك بادر قطز للاتصال بهم طالبًا منهم أن يسمحوا له بالعبور وأن يقفوا على الحياد بين المسلمين والمغول وهددهم إن هم لم يفعلوا ذلك أن يوجه جند المسلمين إليهم، وقد أحس الصليبيون بجدية قطز (رحمه الله)، ولذلك وافقوا على الوقوف على الحياد, وانتظار نتائج المعركة المرتقبة بين المسلمين والمغول ، وهذا بالطبع في صالحهم على أي حال.
كان تجمع معسكر الجيش المصري المسلم في نواحي غزة،وقد أكمل المسلمون استعدادهم وتوجهوا لمكان المعركة عن طريق الساحل مرورًا ببعض الأراضي الصليبية التي كانت خالية من المدافعين عنها، فحاول بعض القواد إقناع قطز بالاستيلاء على المواقع الصليبية لخلوها من المدافعين فنهرهم قطز وذكرهم بتعاليم الإسلام بالوفاء بالعهد مهما كانت الظروف وأن المسلم لا يستغل ظروف الأعداء لينقض العهد فكان (رحمه الله) مثالًا للخلق المسلم في هذا الجانب.
وصل المسلمون إلى منطقة عين جالوت، وكان بعض الأمراء مترددين في قتال المغول فقال: أنا ألقى التتار بنفسي, فتشجع أمراء المماليك وبقية القوات، وقد جعل قطز طليعة من الجند بقيادة (ركن الدين بيبرس)، تتقدم المسلمين وتستطلع أخبار العدو، فلقي طليعة التتار بالقرب من عين جالوت فأخذ بيبرس يناوشهم وأرسل إلى السلطان قطز وجنود المسلمين يخبرهم بالوضع فتقدم قطز ومن معه حتى وصلوا إلى عين جالوت، في الوقت الذي وصلت فيه أجناد المغول يقودهم (كتبغا) نائبًا عن هولاكو الذي كان قد رحل عن بلاد الشام بسبب بعض الظروف في شرق بلاده.
كانت المعركة واللقاء مع المغول في عين جالوت يوم الجمعة الخامس عشر من رمضان، كان الجيش المسلم على خوف عظيم من المغول نتيجة أعمالهم السابقة في البلاد الإسلامية ونتيجة لان جيوشهم لم تغلب قبل ذلك، ولكن وجود قطز في صفوف المسلمين وتحميسه وحثه إياهم على القتال وطلب الشهادة إضافة لما يعرفونه من صدقة كان له دور في ثبات المجاهدين وصدق عزيمتهم.
حرص قطز (رحمه الله) قبل بدء المعركة أن يتأخر الناس في مواجهة الأعداء كما قال: ((حتى تزول الشمس، وتفئ الظلال وتهب الرياح ويدعو لنا الخطاب والناس في صلاتهم)), وكان هذا العمل تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده حيث كانوا يحبون أن يكون القتال بعد الزوال، وقد نشبت المعركة وكان القتال شديدًا على المسلمين حتى أن الأعداء كادوا يزيلونهم عن مواقعهم، وكان السلطان قطز (رحمه الله) يثبت الناس، وينحاز إلى بعض نواحي الجيش حينما يحس ضعفًا منهم يقوي من عزيمتهم ويشجعهم وكان له عدة مواقف شجاعة أثناء المعركة من ذلك: ((أنه قُتل جواده ولم يجد أحدًا في الساعة الراهنة من الوشاقية الذين معهم الجنائب فترجل وبقي واقفًا على الأرض ثابتًا والقتال على أشده في المعركة، وهو في موضع السلطان من القلب، فلما رآه بعض الأمراء ترجل عن فرسه وحلف على السلطان ليركبنها، فامتنع وقال لذلك الأمير: ما كنت لأحرم المسلمين نفعك، ولم يزل كذلك حتى جاءته الوشاقية بالخيل فركب، فلامه بعض الأمراء وقال: ياخوند لم لا ركبت فرس فلان فلو أن بعض الأعداء رآك لقتلك وهلك الإسلام بسببك، فقال: أما أنا فكنت أروح إلى الجنة وأما الإسلام فله رب لا يضيعه، قد قتل فلان وفلان وفلان حتى عد خلقًا من الملوك، فأقام للإسلام من يحفظه غيرهم ولم يضع الإسلام)), كان قطز (رحمه الله) يقاتل بنفسه ببسالة وشجاعة نادرة وكان يسمع صوته وهو يتضرع إلى الله باستمرار يا الله أنصر عبدك قطز، وقد شن التتار حملة قوية على ميسرة الجيش المسلم وكادت تزلزله، فتمكن قطز وبعض الأمراء معه من أسنادهم حتى ثبتوا، وأشتهر (رحمه الله) في تلك الأثناء بندائه في المعركة ((واإسلاماه،واإسلاماه واإسلاماه)). وقد اشتد القتال، فكان النصر حليف المسلمين حيث قتل قائد المغول كتبغايون في المعركة واُسر ابنه وانهزم جند المغول ولم يبق منهم إلا القلة من الفارين، ولما لاحت الهزيمة في صفوف المغول نزل السلطان عن فرسه ومرغ وجهه على التراب تواضعًا لله تعالى وصلى ركعتين في أرض المعركة شكرًا لله على نصره للمؤمنين، وكان قد وقع في أسر الجيوش الإسلامية بعض من انضم إلى المغول من أمراء الشام المسلمين فأمر قطز (رحمه الله) بضرب أعناقهم ولم يقبل شفاعة لأحد جزاء لخيانتهم، كما تخطف الناس في مختلف أنحاء الشام من حولهم من المغول أو الموالين لهم من الأمراء والأجناد والمنتفعين، ومن هؤلاء شيخ رافضي كان مصانعًا للتتار على أموال الناس.
وتمكن المسلمون مرة أخرى من فرض سيطرتهم على بلادهم وقمع الصليبيين الذين استطالوا عليهم في ظل المغول في دمشق وغيرها.
وقد عمل سيف الدين قطز (رحمه الله) بعد انتصاره على المغول على ترتيب بلاد الشام وتعبئتها بالأجناد وأقام بها العدل ونشر الأمن، كما أن هذه المعركة أعادت الوحدة مرة أخرى بين الشام ومصر وأسقطت الأمراء المستسلمين للمغول والانفصاليين الباحثين عن مصالحهم الخاصة بعيداً من مصالح المسلمين العامة، واصبحت مصر بعد المعركة قطب الرحى في أحداث العالم الإسلامي، لا ينافسها أي مكان آخر.
كما أن حكام المغول بدأوا ينظرون إلى المسلمين نظرة أخرى جديدة، وبدأ بعض زعمائهم محاولة إقامة علاقات جيدة مع المسلمين واسترضائهم بدلاً من مصادمتهم.
وقد استشهد سيف الدين قطز (رحمه الله) في حادث غامض بعد شهرين من معركة عين جالوت، وتولى الأمور من بعده الظاهر بيبرس، وفي أيام حكمه الأولى حاول المغول الهجوم مرة أخرى على الشام بترتيب من زعيمهم هولاكو إلا أن الظاهر بيبرس (رحمه الله) تمكن من صدهم وهزيمتهم فرجعوا خائبين.

*أستاذ السيرة النبوية
وعضو المجلس البلدي بمدينة الرياض