أواصل الحديث عن ما يلحق المرأة من إيذاء نفسي بالتعامل معها كناقصة أهلية, وهي كاملة الأهلية, وآيات كثيرة تؤكد على هذه الأهلية, ورغم أنّ آية ( وليس الذّكر كالأنثى) تدل على الأنثى المعنية في الآية ,وهي السيدة مريم ابنة عمران أفضل من الذكر الذي نذرته أم مريم لخدمة بيت المقدس, لأنّ المُشبّه به أقوى من المشبّه إلّا أنّ خطابنا الديني قلب المعنى وجعل الذكر أفضل من الأنثى , وعمّمه على الإطلاق!
ورغم أنّه لم يرد نص قرآني أو حديثي عن أنّ دية المرأة نصف دية الرجل, إلّا أنّه مقرر شرعًا أنّ دية المرأة نصف دية الرجل, فآية الدية جاءت بصيغة العموم (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ) يقول العلماء في المقصود بـ (مؤمنًا): هذه نكرة في سياق الشرط والنكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي تعم، ولذلك تعتبر من ألفاظ العموم. فكلمة (مؤمن) تشمل الذكر والأنثى، وبهذا فلا توجد في القرآن أية آية تدل على تنصيف دية المرأة بالنسبة لدية الرجل, وأخذ بزيادة موضوعة في حديث صحيح؛ إذ لا يوجد حديث صحيح يدل على تنصيف دية المرأة، وقد اعتمد الفقهاء في تنصيف دية المرأة جملة" دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ" التي أضافها البيهقي من عنده لحديث عمرو بن حزم" وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل"، ويقول ابن حجر العسقلاني: هذه الجملة ليست موجودة في حديث عمرو بن حزم الطويل، وإنّما أخرجها البيهقي! وهذا أمر خطير، وهي أن تُضاف جملة إلى حديث لم تكن موجودة فيه، ويؤخذ بها، ويترك النص القرآني، والجزء الصحيح من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورغم ورود حديث "إنّما النساء شقائق الرجال" دليل على مساواة المرأة بالرجل, فهي متساوية معه في الإنسانية , وفي تحمّل أمانة الاستخلاف, وفي الحقوق المدنية والسياسية والمالية , وفي القصاص والحدود والعقوبات والتعازير التي تسقط عن الصغير والمعتوه والمجنون, فلو هي ناقصة عقل لما تساوت مع الرجل في كل أولئك, ومع هذا يتمسّك خطابنا الديني والثقافي والتربوي بحديثيْن ثبت ضعفهما سندًا ومتنًا, أولهما, ما في صحيح البخاري جاء هذا الحديث:" حدّثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا محمد بن جعفر قال أخبرني زيد هو ابن أسلم عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمرَّ على النساء فقال يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار فقلن وبم يا رسول الله قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله قال أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل قلن بلى قال فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُم؟ قلن بلى قال فذلك من نقصان دينها."
-في هذا الحديث زيد بن أسلم العدوي، جاء عنه في التقريب وتهذيب التهذيب لابن حجر أنّه كان يرسل, وكان في حفظه شيء، وكان يدلس مما يفقد أحاديثه المعنعنة حجيتها) وبالتالي فأحاديث زيد في الإسناد جديرة بالاستبعاد, ويلاحظ الضعف الواضح في الحفظ فلم يحفظ زيد الزمن فطر أم أضحى أم كلاهما؟
ويعود ضعف الحديث متنًا إلى وجود:
- أحاديث موضوعة عن تكفير العشير, ووجود أحاديث ضعيفة ومنكرة عن النساء أكثر أهل النّار, مع وجود أكثر من سبع أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم في كتاب العيدين تحث النساء على الصدقة دون ذكر أنّهن أكثر الناس في النّار, أو أكثر حطب جهنّم, وقد سبق وأن بينتُ ذلك في المقالات السابقة.
-ليس من خلقه عليه الصلاة والسلام قوله للنساء في مناسبة العيد أنّهنّ أكثر أهل النار, وناقصات عقل ودين.
-أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أنّ شهادة امرأتيْن برجل واحد ليست على الإطلاق وليست أمام القضاء, وإنّما في عقود المداينة لعدم ممارستها الأمور المالية, وإذا تمكنّت منها فشهادة امرأة تعادل شهادة رجل لانتفاء العلة, ويتضح هذا من سياق الآية ,وقد بيّن هذا ابن القيّم,
-الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أنّ عدم صلاتها وصيامها في فترتي الحيض والنفاس ليس نقصانًا في دينها, بل من كماله لأنّ امتناعها عن الصلاة والصوم ليس بإرادتها, وإنّما من مقتضيات فطرتها التي فطرها الله عليها لأداء وظيفتيها الفطريتيْن الزوجية والأمومة, وتؤثم إن صلّت وصامت وهي ليست على طهر.
أمّا حديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة." فهو رواية مفردة وراويها لا تقبل روايته لأنّ طُبّق عليه حد القذف ولم يتب, ويتناقض مع آية( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر) ويتناقض مع الواقع التاريخي الذي تولت فيه المرأة الحكم في مختلف العصور قبل الإسلام وفي عصوره المختلفة, وفلحت في حكمها.
لقد ترتب على انتقاص أهلية المرأة: فرض وصاية ولي أمرها عليها من لحظة ميلادها إلى وفاتها, ممّا جعلها تحت سطوته, فلا تتعلم ولا تعمل ولا تسافر ولا تستصدر أوراقها الثبوتية وتجددها إلّا بحضوره أو موافقته, حتى لو كان ابنها الذي تُنفق عليه, ممّا يُشعرها بأنّها لا شيء, ولا قيمة لها, ويُساعد هذا ولي الأمر على ممارسة شتى أنواع العنف والابتزاز ضدها, ومعظم قضايا العنف الأسري ضد المرأة تعود إلى الأنظمة والقوانين التي جعلت المرأة تحت الوصاية من الميلاد إلى الممات لمفاهيم خاطئة لآيات قرآنية وبناء أحكام فقهية عليها, وعلى أحاديث ضعيفة وموضوعة وشاذة ومفردة ومُنكرة, رغم أنّ تلك الأنظمة والقوانين والأحكام الفقهية والقضائية تتعامل مع المرأة معاملة كاملي الأهلية في الحدود والقصاص والعقوبات والتعازير.
فكيف سيحمي القضاء المرأة من الإساءة النفسية الواقعة عليها بتحقيرها بانتقاص أهليتها, وهو ذاته ينتقص هذه الأهلية بفرض الوصاية عليها وهي بالغة رشيدة, وجعل ديتها نصف دية الرجل, بل يُطالبها بمعرّفيْن لها؟