التقنية الحديثة اليوم اخترقت كل حواجز الصوت والصورة، وأصبحت عبر جميع القارات عبارة عن شاشة صغيرة ومصدر نت فقط دون الحاجة لتفعيل أي شيء آخر، فسبحان من علم الإنسان ما لم يعلم وهذا يذكرني بملك سليمان عندما طلب من يحضر الملكة بلقيس وعرشها إليه، فكان هناك عرضان، الأول: (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين)، والعرض الثاني: (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)، لاحظ أن العرض الأول يقوم على قوة الجنِّي وقدرته بما وهبه الله له من إمكانيات، بينما العرض الثاني يقوم على العلم، وعلم ماذا؟ علم الكتاب أي أنه شيء مكتوب، وفي ذلك دلالة كبيرة على أن الإنسان مطلوب منه العلم والبحث فيه، والسبر في أغواره، والحفر في آباره للوصول لكل ما فيه خدمة الحياة والإنسان، والتقنية الإلكترونية ووسائل المعرفة اليوم في نمو مطرد وتنامٍ سريع إلا أن التسابق اليوم يوصل إلى تحدٍّ بالاستغناء عن جميع الأجهزة، وأن الخلايا المخية والعصبية في الإنسان نفسه سيتم تشغيلها ذاتيًا عبر أرقام سرية لخلايا الإنسان نفسه، وستبرمج للحصول على التواصل والاتصال، وقد يأتي يوم تُلغي فيه شركات الاتصال، ولعل هناك اليوم من يُعد هذا التخيل العلمي الذي يقدمه اليوم بعض العلماء شيئًا من المستحيل، يُذكر تمامًا من كان يُسفّه فكرة الطيران والانتقال السريع.
المهم نعود لموضوعنا أن التسهيل والتيسير في التواصل بدل أن يُستغل فيما يفيد علميًا ومعرفيًا، أصبح وسيلة ميسّرة وفي متناول اليد بين يدي بعض الشيّاب قبل الشباب في الإدمان على الالتهاء بكل ما له علاقة بالجنس وممارساته، وعبر مواقع يمكن الدخول عليها دونما أي تعب أو تكلفة مالية، وتوسّعت تلك المواقع كناشرات للهوى؛ الذي يُلهب النفوس ويسعر الهرمونات ويُؤجِّج الغريزة، وبعض تلك المواقع أخف وقعًا، حيث هي بائعات للورد فقط، تبحث في الرومانسية والعاطفة القلبية والعلاقات الثنائية صوتًا وصورة وكتابات وأشعارًا وألحانًا وموسيقى، مما تسبح في تموّجاته خلايا الحب، وتتعطّر من جزيئاته غرف القلب ويتيه في جنباته دماغ الشباب، ويصبح صاحب الالتهاء الغرائزي في الصباح الباكر ولا واقع لما كان يتابعه ومنغمس فيه حتى أذنيه.
إن هناك من يتقصّد إغواء الصغار، ويتصيّد قلوبهم، ويُذهب بالفساد الجنسي أخلاقهم، وهناك واجب ديني ووطني يُحتِّم حماية النشء من هذا العفن الإلكتروني، فالجهات المعنية يجب أن تبذل جهدًا أكبر لتواكب التطور في مجال التقنية الإلكترونية لحجب ما يُمكن حجبه من هذا العفن؛ للحفاظ على مقوّماتنا الحضارية، كما هو الحال في بعض دول العالم مثل الصين، والتحرك التربوي يجب أن يبلغ أعلى درجاته، خاصة على الآباء والأمهات بطريقة إقناعية حضارية، والمعلمون والمعلمات وإدارات المدارس هم من يملكون حقًا «المصل» و»اللقاح» والحصانة المناعية لانتشار وقبول مواقع ناشرات الهوى وبائعات الورد.
Prof.skarim@gmail.com