متمثلاً بالقول السائر: «إن سوء الظن من أقوى الفطن»، يستحسن هذه الأيام التفكير جديًّا في ما يلوح لنا من الأولويات الإستراتيجية للولايات المتحدة تجاهنا في عهد باراك أوباما.

لقد غدت ملامح هذه الإستراتيجية واضحة إلاَّ للمدمنين على التفاؤل، بصرف النظر عمّا إذا كان للتفاؤل ما يبرره أم لا، ولجمهرة من المتابعين العرب المقتنعين بأنه لا هاجس لدى واشنطن إلاَّ التفكير في تمتين علاقاتها العربية. ومع الأسف، ما أظهرته الأسابيع الفائتة يُختصر بأن مستقبل الإنسان العربي في ذيل قائمة اهتمامات واشنطن، وسيادة كيانات العالم العربي بالكاد تحتل مكانة أعلى في تلك القائمة.

المحنة السورية كانت تحديًا مهمًّا كشف جانبًا مؤلمًا من هذه الحقيقة، غير أنها تبقى جزءًا من كلٍّ. فمن نافل القول إنه لا وجود لإستراتيجية أمريكية في ما يخص تسوية القضية الفلسطينية منفصلة عن الرؤية الإسرائيلية. كذلك ظهر من طريقة التعامل الأمريكي مع مصر خلال الفترة الماضية أن مقاربة واشنطن مترددة، وتقوم على رد الفعل أكثر ممّا تضع منظورًا يتواءم مع وزن مصر الإقليمي بشريًّا وسياسيًّا. وأخيرًا وليس آخرًا جاء الانفتاح على إيران ليثبت الطبيعة السلبية للتعاطي الأمريكي وعيوبه البنيوية الخطرة.

بالنسبة للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي سقط الرئيس أوباما في «معركة الإرادات» مع تل أبيب بعد تخليه عن أي مسعى جدي لوقف مشروعات الاستيطان، ومن ثم إنقاذ «حل الدولتين» الذي يُفترض به قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

فأوباما اليوم يختصر القضية الفلسطينية في حماية أمن إسرائيل. فلا بحث جدي في موضوع الاستيطان، ولا تطرق لمخاطر الارتباط العضوي بين المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وطروحات جماعات الاستيطان التوراتية. بل تقوم سياسة واشنطن اليوم على إهمال الحل السياسي المستند إلى «حل الدولتين» ما دام «الليكوديون» يرفضونه، متذرّعين بالإسلام الأصولي.

وفي شأن سوريا يختصر أوباما المحنة السورية برمتها في استخدام نظام بشار الأسد السلاح الكيماوي. لقد انحصر هم واشنطن في تجريد الأسد من سلاح محظور ما كان له أن يكدسه أساسًا، ناهيك من استخدامه ضد المدنيين. وبعد التوصل إلى صفقة مع موسكو تقضي بنزع هذا السلاح جرى تغييب كل الملفات الأخرى بما فيها حرب نظام على شعبه، حصد خلالها السلاح التقليدي نحو 150 ألف قتيل. والآن، يشعر أوباما بأنه مع التركيز على مجزرة الكيماوي وحدها.. فعل ما فيه الكفاية، لا سيما أنه لا ينوي تحدي روسيا أو إيران. ثم إن نظام دمشق «صندوق بريد» إيراني - إسرائيلي بامتياز، ومطلوب إسرائيليًّا كبؤرة صراع مذهبي سنّي - شيعي في المنطقة.

ونصل إلى إيران.. الرئيس الأمريكي اختار حصر التعامل مع إيران في تطويرها السلاح النووي. وهذا يعني أنه والقيادة الإسرائيلية لا يمانعان في التوصل إلى صيغة «تقاسم نفوذ» في المنطقة لقاء التزام طهران بالامتناع عن تطوير هذا السلاح. ولدى النظر إلى الواقع الجغرافي - السياسي الراهن، لن تكون الصيغة المنشودة صعبة التحقيق، فالعراق وسوريا وجزء من لبنان باتت فعليًّا محميات إيرانية. وبناءً عليه، يجوز اليوم تصوّر سياسة «واشنطن أوباما» كما يلي:

- التجاهل التام للقضايا التي تقض مضاجع العرب، في فلسطين، أو في دول «الربيع العربي».. أمام خلفية تنامي اليأس والإحباط وتخبّط «الإسلام السياسي» التوّاق إلى السلطة سلمًا أو حربًا.

- القبول ببقاء سوريا «إقطاعًا» لعائلة الأسد وشركائها ورعاتها، مقابل تخلّي الطغمة العائلية - الأمنية الحاكمة عن سلاح كيماوي كانت واشنطن وتل أبيب تخشيان وقوعه في أيدٍ غير موثوقة.. بعكس أيدي النظام الذي حافظ على الهدوء التام على طول جبهة الجولان لأربعة عقود.

- وأخيرًا، وليس آخرًا، القبول بإيران «شريكة» في مشروع الهيمنة على الشرق الأوسط، بما في ذلك سيطرتها على العراق وسوريا ولبنان، واحترام مصالحها في مناطق أخرى من المنطقة العربية، لقاء اكتفائها بتطوير قدرات نووية للاستخدام السلمي، وتخلّيها عن تصنيع السلاح النووي.

هذه قراءة قد تبدو متشائمة لرؤية واشنطن، لكنها تظل واقعية على أي حال، ولا بد لنا من التعامل معها كما هي من دون أوهام.