رغم ترحيب الكثيرين في الأوساط المختلفة بصدور قرار تجريم العنف الأسري،
وفي ظل الإعداد للائحة التنظيمية لهذا القرار مؤخرًا إلاّ أن تساؤلات
واقتراحات وعقبات ظهرت على السطح مجددًا فيما يخص ظاهرة العنف الأسري،
فهناك من تحدث عن أهمية وضوح القنوات والآليات التي يستطيع أن يصل من
خلالها الضحية إلى الجهات المعنية، وهناك من اقترح إدارة مستقلة لمتابعة
هذه القضية، وإيجاد رقم موحد يتم تعميمه وتعريف الناس به، لا سيما النساء
والأطفال. كما كانت هناك أطروحات لمراجعة كل القوانين واللوائح المتعلقة
بالمرأة في المحاكم والضمان الاجتماعي وغيرها من الهيئات ذات الصلة، والتي
تعاني المرأة فيها جراء قصور الأنظمة والقوانين التي تحرمها من حقوقها في
حالات عديدة.

(الرسالة) تفتح هذا الملف من جديد في ضوء صدور قرار تجريم العنف الأسري من خلال الاستطلاع التالي:

أوضح رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان الدكتور مفلح القحطاني أنه يتم
الآن إعداد اللائحة التنظيمية من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والجهات
المعنية لتطبيق القرار والذي سيتضمن آليات تنفيذ قرار بتجريم العنف الاسري،
ويأمل القحطاني من المسؤولين عن إعداد هذه اللوائح والتنظيمات أن يدرسوا
ويتعمقوا في دراسة وصياغة آليات التطبيق مع التأكيد على ضمان شمولها لكل
الحالات التي تقع في الواقع العملي، وأشار القحطاني إلى أهمية أن تكون
الصيغ واضحة والآليات محددة مع التنبؤ بكل الحالات والوقائع التي يمكن أن
تحدث في أرض الواقع وتعالجها، مع وجود جهة محددة لمتابعة مثل هذه الحالات،
وعدم ربطها بأكثر من جهة حتى يتم تفعيل مثل هذه القرارات واللوائح. وكشف
القحطاني عن أن تعدد الجهات اللازم موافقتها على توفير الحماية للضحية أو
إزالة الضرر عنها يتسبب في خلق العديد من الصعوبات في توفير الموافقات في
الوقت المحدد، موضحًا أنه يمكن تلافي تلك الصعوبات في توكيل الجهات المعنية
في الشؤون الاجتماعية مع الاستعانة بالشرطة بشكل مباشر من غير اللجوء إلى
المخاطبات أو المكاتبات وغيرها مما يمكن أن يساهم في تفعيل وتسريع وتيرة حل
القضايا.

وأشار القحطاني إلى أن صدور مثل هذا القرار يمثل نقلة نوعية في المملكة بما
يجسده كنوع من أنواع الحماية الأسرية، وتحقيق المزيد من حقوق الإنسان في
المملكة مؤكدًا على أن الأهمية تنصب الآن في كيفية الاستفادة من نصوص هذا
القانون وتوسعته وضبط اللائحة التنظيمية له بما يمكننا من معالجة كل
الحالات التي يعاني منها المجتمع حاليًّا سواءً فيما يتعلق بدور الإيواء
وكيفية الدخول إليها والخروج منها، أو في كيفية العمل مع الحالات التي
يتخلى عنها ذووها، وهل هناك برامج بديلة لاستيعابهم وتدريبهم وتعليمهم
وتزويجهم ومحاولة دمجهم مرة أخرى في المجتمع، وعند حدوث استغاثة هل لابد من
أخذ موافقة جهات مختلفة أم يُكتفى بالجهة المكلفة بتطبيق هذا القانون،
والمناطق التي ليس بها دار إيواء كيف يمكن تحويل الحالات منها؟ وكيف تراقب؟
وغيرها من القضايا التي ينبغي أن تراعيها اللائحة المنظمة. وأكد القحطاني
على أهمية وجود استراتيجية متكاملة وواضحة تهدف في النهاية إلى أن يجلس
الجاني والضحية مع بعضهم بتوافق خاصة في جانب الأسرة لأنهم في نهاية المطاف
أسرة واحدة وفي ضوء ذلك يجب أن يكون لدينا من الآليات والبرامج ما يضمن
تحقيق هذا الهدف، وفي ذات الوقت يحمي الضحية من الاعتداء والإيذاء، وفي
حالة عدم تحقيق هدف العيش بتوافق داخل نطاق أسرة واحدة فينبغي أن يكون هدف
اللوائح والبرامج حماية الضحية وتمكينها من الاندماج في المجتمع، وأن لا
تفرض من جديد على الأسرة حتى لا تتكرر المشكلة. وكشف القحطاني عن عدم
مشاركتهم رسميًا حتى الآن كجهة حقوقية في وضع مثل تلك اللوائح إلا أن هناك
تواصلاً مع المعنيين بتقديم بعض المقترحات والتوصيات.



التوعية الأسرية

وأكدت الكاتبة والباحثة في قسم التربية وعلم النفس بجامعة الملك عبدالعزيز
الدكتورة ميسون الدخيل على أهمية تفعيل دور التوعية للأسر بمثل هذه
القرارات حتى تتعرف عليه، وأشارت كذلك إلى أهمية نشر بنود القرار وتفاصيله
على أكبر قدر ممكن من الوسائل، إضافة إلى تعريف الفتيات والنساء عمومًا
بحقوقهن وكيفية نيلها، وأشارت الميسون إلى ضرورة وصول التوعية إلى مختلف
الأماكن التي توجد فيها العوائل كالأسواق والمراكز الصحية والمدارس
والجامعات، وغيرها. كما نبهت الميسون إلى أهمية وضوح آليات العمل والتطبيق
لمثل هذه القرارات، وتحقيق أهدافها بفعالية وسرعة. وأوضحت الميسون إلى
ضرورة فك الالتباس الذي تقع فيه بعض النساء حال التبليغ عن حالات عنف أسري
لصديقاتها كونها تمثل تدخلًا في شؤون الغير، وشددت على أهمية توضيح أن ذلك
من قضايا الإصلاح والتعاون على البر وليست من عمليات الإفساد والفتنة بين
الأسر والعوائل. وقالت الدخيل إن مثل هذه القرارات ستخفف بالتأكيد من حدة
العنف الأسري وارتفاع نسبته لكنها لن تلغيها تمامًا أو تقلل من نسبتها بشكل
كبير لأنها ظاهرة عالمية ولا تكاد تخلو منها بلد بشكل أو بآخر خاصة العنف
ضد الأطفال وضد المرأة.



التعزير والتأديب

وفي ذات السياق أكد أستاذ أصول التربية الإسلامية بجامعة أم القرى الدكتور
خالد التويم أن العنف الأسري ينعكس سلبًا على نفسية الأبناء ونموهم النفسي
وعلاقتهم بوالديهم، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المشاكل السلوكية لدى الأطفال
تعود إلى العنف الأسري. وأوضح التويم أن الإسلام يحث على الرحمة والرأفة
ومراعاة عمر الطفل مؤملًا أن يحد مثل هذا القرار من ظاهرة العنف الأسري لا
سيما أن له تأثيرًا على مستقبل أولادنا. وأشار التويم إلى أن هناك تجاربًا
لدول كثيرة عملت على مراقبة حالات العنف الأسري عن طريق إعطاء أرقام خاصة
أو موحدة للأطفال لاتصال بها في حالة وجود عنف مورس عليهم. موضحًا أن سبب
العنف لدينا غالبًا يرجع إلى اعتقاد الآباء أن القسوة والشدة هي طريق صحيح
للتربية. وكشف التويم أن العنف لا يقتصر فقط على الضرب وإنما هناك صور أخرى
مثل هجر الصغير أو منعه من مصروفه أو الشتم أو التعرض للإهانة، وكذلك
الحرمان خاصة من حاجاته الأساسية كالطعام والرعاية أو المنع من المدرسة
وغيرها من الصور. كما أوضح التويم أن ضرب الطفل -وهو الشكل المنتشر من
العنف ضد الأطفال- دون العاشرة منعه كثير من العلماء، وحتى الضرب بعد
العاشرة فإنه مقنن؛ فلا يضرب إلاّ للتأديب، ويضرب ثلاثًا من غير أن تكون
مؤلمة، كما أنه لا تجمع عقوبات أخرى معه مثل الحرمان أو غيره. مشيرًا إلى
أن الهدف من الضرب هو فقط التخويف وفي حالات محدودة. وأبان التويم أن
العلماء يفرقون بين الضرب تعزيرًا والضرب تأديبًا؛ فإذا كان الضرب بالتعزير
لا يترتب عليه ألم أو كسر، فمن باب أولى ضرب التأديب. وقال التويم في معرض
حديثه عن الحلول التي يمكن أن تخفف من حدة ظاهرة العنف الأسري أنه لا بد
أن تكون هناك حملة توعية للآباء وتنبيههم على الأضرار المترتبة عليه، كذلك
الدور الذي ينبغي أن تقوم به وسائل الإعلام في هذا الصدد. وأشار التويم
كذلك إلى دور المدرسين في المدارس في مراقبة حالات الطلاب خاصة من تظهر
عليه آثار العنف، والتواصل مع الأسرة أو حتى مع الجهات الأمنية المعنية.
واقترح التويم أن لا تقتصر حملات التوعية على الآباء فقط وإنما تشمل الطلاب
في المدارس لتوعيتهم بحقوقهم وكيفية التعامل مع العنف الموجه لهم، كما
اقترح التويم إنشاء إدارة لمكافحة العنف الأسري وتوضع لها أرقام محددة
للتواصل معها.



تعديل «المعاشات»

وأشارت الباحثة والمهتمة بشؤون المرأة الدكتورة سهيلة زين العابدين إلى أنه
رغم إيجابية صدور قرار حماية المرأة من العنف الأسري، إلاّّ أنه لم يتطرق
إلى حمايتها من الحاجة المادية أو ما يمكن أن يقع عليها من ظلم جراء منعها
من حقوقها المادية عن طريق أسرتها أو ولي أمرها، مشيرة إلى أن هناك كثيرًا
من الحالات التي يتحكم فيها الورثة من الذكور بالميراث من غير أن يعطوا
الأمهات أو الأخوات نصيبهن منه، وكشفت زين العابدين للرسالة أن هناك نساء
يمتلكن الملايين لكنهن يعشن على الضمان الاجتماعي، وذلك بسبب حرمانهن من
نصيبهن في الميراث أو بسبب أعراف قبلية، إضافة إلى بعض الممارسات التي
يتحكم فيها ولي الأمر أو الزوج بمال المرأة مثل تحكم بعض أولياء الأمور
بمهرها، أو تحكم الأزواج برواتب أزواجهم، مرجعة ذلك إلى الخطاب الديني الذي
«أوهم» على حد تعبيرها الرجل بأن المرأة ملك له، وله الحق في منعها من
العمل وحبسها في البيت لرعايته، وبالتالي فإن الوقت الذي تخرج فيه للعمل هو
من حقه، وله الحق في أن يأخذ ما تتقاضاه جراء ذلك. وأشارت زين العابدين
إلى أن هناك ظلمًا كبيرًا يقع على المرأة في نظام المعاشات؛ حيث إن معاش
الزوج حين وفاته يتوزع على الأولاد، وبعد ذلك ما يتبقى يصرف على باقي أفراد
الأسرة، والتي تصل في بعض الأحيان إلى أن يكون نصيب الزوجة فقط (500)
ريال. ودعت زين العابدين إلى تعديل نظام المعاشات حتى لا يتسبب في التضييق
على المرأة وحرمانها ممّا تحتاج إليه. كما أشارت زين العابدين إلى عدم وجود
قوانين تلزم الزوج بحقوق طليقته في حالة الحضانة، وحتى لو حكم لها القاضي
بعد مدة طويلة فإن هناك إلزامات وشروطًا تفرض على المرأة لحضانة أولادها
مثل عدم الزواج وغيره مع أنه ليس هناك في الشرع ما يشترط مثل هذه الشروط،
وأوضحت أن الحديث الوارد في هذه الجزئية «أنت أحق به إذا لم تنكحي» ليس له
صحة، كما أن الآية الكريمة «أسكنوهن من حيث سكنتم..» تلزم الطليق أن يستأجر
للأولاد وأمهم سكن مناسب، وإذا كانت عنده القدرة أن يوفر لهم خادمًا.
وطالبت زين العابدين بتصحيح المفاهيم والأنظمة المتعلقة بالمرأة، كما طالبت
بعرض مثل تلك القوانين على المعنيين بحقوق المرأة والذين جمعوا بين
الدراسات الشرعية والدراسات الحقوقية، ومن لهن دراية بالواقع حتى يتم تلافي
مثل هذه الثغرات في القوانين الصادرة.



اكتشاف العنف

وقال المشرف التربوي بتعليم مكة محمد القرشي إن صدور القرار يُعدُّ خطوة
إيجابية للقضاء على العنف الأسري، لكنه شدد في ذات الوقت على أهمية مرحلة
اكتشاف العنف الأسري من خلال آليات التبليغ وقنواته سواء الأسرة أو الأقارب
أو المدرسة، وأهمية هذه المرحلة حتى يتم تطبيق القانون عليها، وبدون مثل
هذه الآليات والقنوات فإن القرار سيبقى لا قيمة له واقعيًا في القضاء أو
التخفيف من ظاهرة العنف الأسري. واقترح القرشي أن يكون هناك رقم ثابت وموحد
للإبلاغ عن حالات العنف الأسري ومساهمة الإعلام بكل أشكاله في نشر هذا
الرقم حتى يكون هناك وعي اجتماعي شامل. وأكد القرشي على أهمية مشاركة
وتعاون الجميع خاصة من يشعر أن هناك عنفًا أسريًّا من حوله وتواصلهم مع
الجهات المعنية. وأشار القرشي إلى أهمية دور منظمات المجتمع المدني لأنها
الشريك والمساعد للدولة، فالدولة إن لم تجد الدعم والمساندة من قبل تلك
الجمعيات فستظل جهودها محدودة وقاصرة، مبينًا أن دورها كبير في الحد من
كثير من الظواهر السلبية لا سيما ظاهرة العنف الأسري، ويمكن أن تلعب دورًا
في مرحلة اكتشاف الحالات ومتابعتها والتدريب على ذلك، كما يمكنها تكوين فرق
تطوعية للعمل في مختلف المراحل التي تتطلبها معالجة حالات العنف الأسري.