الجامعات هي الأصل منارةٌ للتعليم والتعّلم ونشر الفكر الصحيح والثقافة المُنتجة والمُفيدة ، لذلك فمن المُنتظر والمتوقع أن يكون للجامعات في أي مكانٍ تكون فيه ، أن يكون لها أثرُها الإيجابي على المحيط والمجتمع الذي تتعايش فيه والذي أُنشئت من أجله .
وأي جامعةٍ تتخلى أو تُقصّر في هذه المهام الرئيسة والكُلية فهذه إشارة خطيرة على وجود خلل كبير في ترتيب الأولويات ،وفي معرفة الفرق بين المقاصد والوسائل!
فليس من مهام الجامعة الرئيسة استنزاف الجهد والمال والوقت في قضايا لاتصب في مصلحة الطالب والمجتمع المحيط بها !
ومن المهام التي تصب في هذا الاتجاه ( البحث العلمي ) .
والبحث العلمي ـ بحسب ما أفهم ـ له معاييره وأسسه وأهدافه، ولاشك أن تلك المعايير والأسس معروفة ومشهورة ، ولكن حديثي في أهداف ومقاصد البحث العلمي في الجامعات!
جميع الجامعات تتبنى البحث العلمي من خلال عِمادات أو مراكز بحثية خاصة ـ وهو جزءٌ رئيسٌ من عملها ــ وهذا البحثُ العلمي يتوافرُ على إنجازهِ نُخبٌ من الأكاديميين والباحثين ويُنفقُ عليه ميزانيات ضخمة، والسؤال : ما المقصود والغاية من هذا الجُهد العلمي الكبير ؟
هل هو : وظيفة واجبة لابد من أدائها ؟ تهدف ـ فقط ـ إلى زيادة رصيد الجامعات من أعداد البحث العلمي ؟ فتتحول النظرة من الكيف والفائدة إلى العدد والتكاثر؟!
هل من الصحيح أن تُنتج الجامعات مئات بل آلاف الأبحاث العلمية ـ وفي مختلف التخصصات ـ وتكون هذه الجهود وتلك الأفكار مُنبتة الصلة بالواقع والمجتمع، ولاعلاقة لها بما يدور فيه من إشكالات وقضايا تحتاج لمعالجة وتصحيح وحلول من خلال: دراسات علمية وفق معايير علمية لاتتوفر ـ في الغالب ـ إلا في البحث العلمي .
إن المجتمعَ له حق كبير على مؤسساته العلمية أن يجد فيها ومنها معايشة لواقعه، وأثراً ملموساً في توجيه أفكاره الوجهة الصحيحة، ودوراً في معالجة كثير مما يطرأ عليه من مشاكل قيمية أو أخلاقية أو اقتصادية أو فكرية أو فقهية ....إلخ
ولا يحصل هذا إلا بأمور منها:
1ـ أن يكون هذا المعنى حاضراً ومستحضراً في سياسات الجامعات في البحث العلمي ،وهدفاً مقصوداً !
2ـ إيجاد آلية للتواصل بين مؤسسات المجتمع المدني ،والمعنيين بالدعوة والتربية والعلم الشرعي من جهة؛ ومراكز وعٍمادات البحث العلمي في الجامعات من جهةٍ أخرى ، للتعرف على القضايا والمحاور التي من الممُكن أن يتوجه البحث العلمي لها .
ومع الأسف فإن الملاحظ هو تكدّس رصيد الجامعات بآلاف الأبحاث العلمية دون أن يكون لغالبها أثر علمي أو مجتمعي واضح ، وينتهي دورها بمجرد النشر والتحكيم العلمي ،في مجلات لا يلتفت إليها في الغالب إلا قلة من المتخصصين!
هذا ما نأمله ،وهو مايمكن جداً تحقيقه بالنظر لوجود الأرضية العلمية الراقية واللائقة (الجامعات ) ووجود الميزانيات والباحثين المؤهلين..