الجنوب أرض الجبال النائية، والتي بقيت على مر العصور -ربما بسبب طبيعتها الخاصة- موطنًا لقبائل لم يتغير أسلوب حياتها كثيرًا، وحافظت على عاداتها وتقاليدها، وكأنها بذلك تقدم درسًا حيًا لعلماء الاجتماع عن كيفية التعايش مع صعوبات الحياة.

فعبر مساحة تصل نحو 400 ألف كيلومتر مربع تمتد أراضي منطقة عسير التي تشكّل جزءًا من المنطقة الجنوبية الغربية من المملكة، والتي تعتبر -كغيرها من المناطق- أحد مواقع العمل الدائب والمستمر، من أجل التطور والرقي والازدهار.

في الجنوب هناك، وبالتحديد في مركز «الربوعة»، كانت انطلاقتنا للتعرف على سكان المنطقة وأسلوب حياتهم.



الناس والأرض

آل تليد إحدى القبائل التي تسكن في جنوب غرب المملكة، بجنوب منطقة عسير وشمال شرق منطقة جازان، وينتسبون إلى قبيلة خولان القضاعية المعروفة، ويعمل سكانها في الزراعة والتجارة والرعي والوظائف الحكومية المختلفة، وتمتد بلادهم من بني مالك غربا حتى قبائل تهامة قحطان غرب ظهران الجنوب.. وتتميز بلاد آل تليد بصفة عامة بشدة تضاريسها ووعورتها، إذ أنها تقع في قلب جبال السروات، ويتراوح ارتفاعها ما بين 1000 ـ 1900 متر فوق سطح البحر، وهناك سلاسل جبلية عالية تمتد من الجنوب نحو الشمال وتراوح ارتفاعاتها بين 1900 ـ 2200 متر، مثل جبل روق وثهران ونويب وملس والربوعة. وتوجد بين هذه الجبال أودية خانقية، استطاعت أن تعمق مجاريها في الصخور الرسوبية الرملية والتي هي جزء من تكوين الوجيد الجيولوجي والذي تكون خلال عصور سحيقة.



مركز الربوعة

الربوعة، هي أكبر وأشهر بلاد آل تليد، بل أصبحت تعرف باسمها.. وتقع الربوعة في أقصى الركن الشرقي لبلاد آل تليد، وتبعد عن محافظة سراة عبيدة حوالى 90 كيلو متر، وعن محافظة ظهران الجنوب بحوالي 50 كيلو متر، وعن محافظة الداير بني مالك بحوالي 80 كيلومتر.. والربوعة أرض منبسطة على سفح جبل وتحيط بها الكثير من الجبال مثل جبل سهوه وجبل النعيراء وجبل الحجاج وجبل مصيدة وجبل نويب الشهير.. ومناخها بصفة عامة معتدل صيفا وبارد شتاء والأمطار صيفية بشكل خاص شأنها كشأن المرتفعات الجنوبية الغربية من المملكة، وتكون غزيرة على المرتفعات العالية مثل ثهران وروق وملس والربوعة وتتميز المنطقة بتقلبات شديدة في الطقس من لحظة الى أخرى.



جـبل نويب الشهير

يقع جبل نويب في جنوب منطقة عسير، ويبعد من مركز الربوعة حوالي 15 كيلو متر، ويقع إلى الغرب منه، وارتفاعه 2174 متر، ويبدو الطريق إلى قمة الجبل شديدة الصعوبة، حيث قد يصعب على شخص واحد الصعود إلى أعلاه وذلك لوعورة الطرق المؤدية إليه، حيث إن هناك بعض الأماكن التي توجد فيها خطورة، فمثلا في أسفل الجبل يتم الصعود من خلال خانق جبلي ضيق يشرف على هوة سحيقة، أما في وسطه فلابد من الصعود فيها سيرًا إلى الخلف، وفي أعلاه يتم الصعود من خلال خشبة أو سارية مسندة في شق، وهذا المكان يعتبر من أصعب الطرق وأخطرها على الإطلاق.. ويكسو الجبل الأعشاب الكثيفة والأشجار المعمرة مثل أشجار القمر والقرض والعرعر والشث.. وسطح الجبل بصفة عامة مكسو بالحفر الصغيرة المنتشرة في جميع أنحائه وخاصة الأجزاء الشرقية والجنوبية والغربية، ومن أهم تلك الأحافير العظام المتصلة في الصخور، والشعب المرجانية والأحجار الخفيفة وغيرها، ويعتبر جبل نويب بصفة عامة جزء من تكوين الوجيد الرملي ذي اللون الأبيض، إلى جانب وجود العروق الصلبة المتكون من صخور نارية تمتد لعدد كبير من الكيلو مترات.



وادي أفقه

اتجهنا في طريقنا عبر طريق «وادي أفقه»، وكانت الطريق شديدة الوعورة، وبعد أن تجاوزنا نقطة حرس الحدود بالربوعة نزلنا بالوادي، بعد ذلك قطعنا مسافة ليست بالبسيطة عبر منحدرات صخرية وجلاميد بركانية شديدة الوعورة، ولكن سرعان ما تجاوزنا هذه المنحدرات لنبدأ بالصعود تجاه منطقة تسمى «تشوية».

لم تكن رحلة الوصول الى تشوية -وهي «جبال القهر والعيلة» وغيرها- بالأمر السهل من خلال الطريق الترابي الوعر الذي يصل هذه القرى بما حولها من قرى الربوعه.. فكانت وعورة الطريق كافية لأن تعطينا انطباعا مسبقا عما تعيشه تلك القرى من نسيان وما تعانيه من سوء خدمات، بينما تتقاذفنا المطبات ووعورة الطريق.



الفقر والصبر والأمل

العديد من سكان «تشويه وكحلا ووادي القهر» وغيرها يعتمدون اعتمادًا كليا في حياتهم على المكافأة التي اقرتها الدولة الرشيدة للطلاب في مدارس هذه القرى بهدف تشجيع سكانها الذين كانوا يسكنون رؤوس الجبال على التوطين.. ومن ذلك الوقت والعديد من اهالي هذه المنطقة يعتمدون على هذه المكافأة في توفير احتياجات ابنائهم الطلاب المدرسية وملابسهم واحتياجاتهم الحياتية الضرورية، وفي مقدمتها فاتورة متعهد الكهرباء الشهرية.

وقد وجدنا في رحلتنا العديد من الأهالي الذين يعانون من أقصى درجات الفقر والحاجة، ولكنهم لا يسألون الناس إلحافًا لأن كرامتهم تمنعهم من ذلك.

وما زاد في معاناتهم التي يقاومونها بالصبر والأمل أن مكافأة الطلاب المقررة وهي 150 ريالا لكل طالب لا تصرف لهم شهريًا، الى درجة قد تدفع الكثير منهم الى منع أبنائهم من الدراسة، لأنهم لا يملكون قيمة دفاترهم وأقلامهم، ويأملون أن تأتي هذه المكافأة التي هي مصدر الدخل الوحيد للكثير من سكان هذه القرى، فلا معاشات من الضمان الاجتماعي، ولا مساعدات تذكر، ولا جمعيات خيرية تعمل هناك، وبعضهم يعيش على الكفاف، وشاة أو شاتين، هي كل ما يملك من طعام.

ورغم تلك الحالات الإنسانية التي قد تنسى في تلك الجبال الشاهقة، إلا أن سكان تلك المنطقة مازال يحدوهم الأمل في أن تقوم هيئة تطوير القرى والهجر ببعض الدراسات من أجل تطوير قراهم، وفتح مشروعات اقتصادية فيها تتناسب مع إمكانات هذه القرى، وتوفر مصدر رزق مناسب لسكانها، وأن تصل مياه الشرب النقية لهم، بعد أن جفت المياه فيها وشحت مصادره، وأن تقام فيها بعض المشروعات الترفيهية المناسبة التي يمكن لأطفالها ممارسة لهوهم البريء من خلالها، وتكسبهم بعض المهارات التي قد تفيدهم وتفيد مجتمعهم.. ففي أبناء تلك القرى الكثير من المواهب والامكانات الفطرية التي لم يتم اكتشافها وتوظيفها بعد، بسبب غياب الأندية المناسبة والحاضنات التربوية المتخصصة.