قال رئيس قسم التاريخ بجامعة الملك عبدالعزيز الكاتب الدكتور عبدالرحمن بن سعد العرابي: إن بعض المصادر التاريخية نقلت ما وصفته بفضائل جدة مُرجعة ذلك إلى أحاديث نبوية وهو ما أصبح يشكّل حقائق ثابتة في ذهنية سكانها، وهذه المرويات ليست مجرد أحاديث عابرة، بل تأكيد قاطع على أفضلية مدينة جدة على غيرها من المدن عدا المدن الإسلامية المقدّسة مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف. جاء ذلك خلال محاضرته أمس الأول بنادي جدة الأدبي والتي كانت بعنوان «الأسطورة في تاريخ جدة» وتحدث فيها عن تاريخ مدينة جدة وبعض ملامح وحكايات وخرافات وأساطير أصبحت مع الأيام وكأنها حقائق.

وذكر الدكتور العرابي أن الرحالة العربي إبراهيم رفعت باشا قال في زيارته لجدة عابرًا لمكة المكرمة في وصفه لقبر أمنا حواء: «وبها (أي جدة) جبانة قريبة من ثكنات العسكر يحيط بها سور يبلغ طول ضلعه الشمالي 160 متراً وفي وسط الجبانة قبر أمنا حواء طوله 150 مترًا وعرضه أربعة أمتار وارتفاعه متر، عليه ثلاث قباب على الرأس والسرة والرجلين كما يزعمون». وأبان العرابي أن المرويات السابقة وإن كان بعضها كما في إبراهيم باشا تصف القبر بالمزعوم أو المكذوب إنما هي دلالة على مدى تغلغل ورسوخ أسطورية حقيقة دفن السيدة حواء عليها السلام في هذا المكان، علمًا بأن هناك شبه توافق على عدم وجود مكان محدّد للمكان الذي دُفنت فيه، لافتًا إلى أن العديد من المصادر التاريخية الإسلامية كتاريخ الطبري وتاريخ ابن الأثير لا تتفق على المكان الذي دُفنت فيه، بل إنها تشير صراحة إلى وجود اختلاف، فالطبري يذكر أن حواء توفت بعد آدم عليه السلام بعام وأنها دُفنت إلى جواره في غار في جبل أبي قبيس بمكة المكرمة وأن ذلك الموضع مختلف فيه أيضًا، حيث يرى آخرون أن آدم عليه السلام مدفون في بيت المقدس ومعه زوجه حواء، وهذه الرواية يعيد تأكيدها ابن الأثير الذي ذكر أن حواء عاشت بعد آدم عليهما السلام سنة ثم ماتت فدُفنت مع زوجها في غار في جبل أبي قبيس.

كما تناول العرابي في محاضرته حارة المظلوم، قائلا: إنه راجت بين العامة قصة أسطورية عن سبب تسمية الحارة بهذا الاسم، ومع الأيام ازدادت الأسطورة رسوخًا حتى طغت على كل حقيقة قد تخالفها، مشيرًا إلى أن سبب تسمية حارة المظلوم بهذا الاسم منسوبة إلى حادثة مقتل عبدالكريم البرزنجي، رغم أن هناك روايات أخرى تعزو سبب تسمية الحارة إلى حادثة أخرى، فابن فرج وهو المتوفى في عام 1010هـ أي قبل 126 عامًا من حادثة مقتل البرزنجي يروي أثناء حديثه عن أحد أولياء جدة قوله: «وفيها (أي جدة) من الأولياء المشهورين بالصلاح والعلوم الشيخ عفيف الدين عبدالله المظلوم وقبره داخل السور في جهة الشام وسُمي المحل والبقعة التي هو فيها بالمظلوم، والمُلاحظ في هذه الرواية أن ابن فرج لم يوضّح سببًا لمظلومية الشيخ عفيف، فهل ذلك يعني أنه لقب عائلته أم أنه لقب أطلقه عليه العامة بسبب أو آخر.

كما تناول العرابي في محاضرته بحر الأربعين، بقوله: بحر الأربعين يُطلق على بحيرة صغيرة هي الآن في قلب مدينة جدة وكانت إلى زمن ليس ببعيد مثار شكوى أهاليها للروائح النتنة الصادرة منها، ولكن في أزمنة سابقة وحتى وقت قريب كان لأهالي جدة اعتقاد في بركة البحيرة وقدرة مائها على الشفاء من الأمراض، واستمرت هذه الفكرة في أذهان أهالي جدة إلى وقت قريب، حيث يروي الصحفي الشاب عبدالعزيز أبو زيد في كتابه «حكايات العطارين في جدة القديمة» بقوله: «بحر الأربعين كان يمثل مرحلة مهمة وأساسية من مراحل العلاج عند العطار فكان سكان جدة القديمة يصدّقون كل ما يقوله العطار من وصفات شعبية وقد يضطر أحدهم للذهاب إلى شاطئ بحر الأربعين للسباحة والاغتسال فيه وشرب القليل من مياهه الشديدة الملوحة». واعتبر العرابي في ختام حديثه بأنه لا يمكن إلغاء الأساطير وإنه لا يدعو إلى إلغائها وبأنها جزء من كتابة التاريخ، معتبرًا أنه كلما ابتعدنا في الزمن كلما اقتربنا من الأسطورة والخرافة، ولهذا فإننا نحتاج إلى دراسات لإثبات صدق مثل هذه الأساطير من عدمها.

الأمسية أدارها عضو النادي عبدالعزيز قزان، وحضرها العديد من الشخصيات، وشهدت العديد من المداخلات التي شارك بها كل من: د. راكان حبيب، ود. هاني مهنا، ود. تركي الحارثي، ود. سلوى الغالبي، ود. عبدالله الغامدي، والمستشار مصطفى صبري، وسماح باحويرث، ود. محمود الدوعان، ود.عبدالله الخطيب. وفي ختام الأمسية كرّم رئيس نادي جدة الأدبي د. عبدالله السلمي المحاضر د. عبدالرحمن العرابي.