"ما هو السبب الرئيس لتخلفنا ومشكلاتنا؟ وما هي أفضل طريقة لحل مشكلاتنا بأسرع وقت ممكن؟ الإجابة هي -دون أدنى تردد- بالارتقاء بالمدارس والتعليم".
هذه العبارة كانت محور الحملة الانتخابية لـ"ادريان فنتي" المرشح لمنصب عمدة مدينة واشنطن العاصمة عام 2006م، والتي فاز بها بنسبة 89% من الأصوات؛ ليصبح أصغر عمدة في تاريخ المدينة، بعمر 35 عامًا.
لعقود طويلة مضت -وتحديدًا منذ الخمسينيات- والتعليم العام في واشنطن يعاني من الانحدار؛ لدرجة أصبح معها الأسوأ على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية في جميع المعايير، من بنية تحتية متهالكة للمدارس، ودرجات اختبار للطلاب هي الأدنى، ونسبة هجر طلاب للدراسة هي الأعلى. الخطوة الأولى للعمدة فنتي كانت تعيين "ميشيل ريي" المنحدرة من أصول كورية، وتحمل الماجستير من كلية كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد، وذلك بوظيفة المسؤول الأول عن التعليم في المدينة.
إستراتيجية ميشيل عبّرت عنها بقولها "لا يمكن أن ندع الطلاب ينتظرون وقتًا أطول ليحصلوا على التغيير الذي يستحقونه، تحن بحاجة لتغييرات راديكالية وسريعة، ومن أجل ذلك سوف ننطلق بسرعة 200كم في الساعة". وقد كان أهم تحديين أدركت أن عليها التعامل معهما هما: أولاً، غياب الرؤية، ووضوح الأهداف لدى الإدارة المركزية، وثانيًا تحكّم أطراف خارجية في القرارات التعليمية (politics).
ركزت أولى خطوات الإصلاح على جانبين أساسيين هما:
أولاً: الإنسان.. انطلاقًا من حقيقة أن أداء المعلم هو العامل الأكثر تأثيرًا في مستوى تحصيل وأداء الطالب.
ثانيًا: مؤشرات الأداء.. ومنها معايير التقييم، وتوفر البيانات والإحصاءات اللازمة لاتخاذ القرارات، والثواب والعقاب.
قامت ميشيل بعمل عقود بشروط جديدة للمعلمين تتضمن زيادات في الرواتب بنسبة 21,6%، ونظام للحوافز وفق مبدأ النقاط يمكن أن يحصل بموجبه المعلم على مكافأة تصل إلى 25 ألف دولار، وزيادة سنوية بحدود 20 ألف دولار.. في حين تم وضع معايير للتقييم تسمح بفصل المعلمين منخفضي الأداء.
سرعان ما التفتت ميشيل لعلاج مستوى أداء المعلمين ومديري المدارس المتدني، فقامت أولاً بفصل 46 مديرًا ومساعد مدير مدرسة لضعف أدائهم، ثم فصلت 750 معلمًا ومساعد معلم فشلوا في تجاوز اختبار الكفاية المهنية. ورغم أنها عيّنت 934 معلمًا جديدًا بدلاً عنهم إلاّ أنها تعرّضت لحملة عنيفة من الهجوم والانتقادات بسبب صرامتها وحسمها، ليس فقط فيما يتعلّق بفصل المعلمين، ولكن أيضًا لقراراتها الخاصة بإغلاق كثير من المدارس، وسعيها بنجاح لاستقلالية القرارات التعليمية من التدخلات الخارجية.. وفي لقاء صحفي معها لم تتردد عن القول: "لقد تخلّصت من المعلمين الذين يضربون الطلاب، أو يتحرشون بهم جنسيًّا، أو تجاوزوا عدد أيام الغياب المسموح بها.. يجب وضع مصلحة أبنائنا فوق أي مصلحة أخرى".
استطاعت ميشيل ريي خلال ثلاث سنوات ونصف فقط أن تحقق إنجازًا غير مسبوق بجعلها مؤشر أداء التعليم في واشنطن يعكس اتجاهه إيجابيًّا، بعد أن كان في ذيل قائمة التقييم، حيث ارتفعت معدلات أداء الطلاب في كثير من المؤشرات، وحصلت واشنطن على المرتبة الأولى في تقييم تطوّر التعليم، إضافة للتحسّن الكبير في البنية التحتية للمدارس، وفي رضا أولياء الأمور، وقد وضعت مجلة التايم صورتها على غلافها مع عنوان يقول "الكيفية التي يتم بها إصلاح مدارس أمريكا".
الآن.. هل هناك ما يمكن استخلاصه من هذه التجربة الواقعية للمساهمة في الجهود المبذولة لتطوير نظامنا التعليمي؟
التعليم هو التعليم، والتالي بعض من المطلوب:
* استقلالية القرارات، وإطلاق صلاحيات التعيين والفصل وتطوير الأنظمة والمناهج.
* منح أفضل المزايا المادية والمعنوية للمعلم، ومكافأة المتفوّق منهم بشكل مجزٍ، وعقاب المسيء بصرامة وحزم.
* بناء مؤشرات ومعايير أداء نوعية للمعلمين ومديري المدارس، ومديري التعليم، ومنحهم فرصًا محددة لتحقيق الأهداف الموضوعة، وفق المؤشرات، وتجاوز الاختبارات المهنية.. وعدم التردد في الاستغناء عنهم بالمئات، أو الآلاف عند إخفاقهم، أو تدني أدائهم، وهناك طوابير من البدلاء المتحمّسين لشغل وظائفهم بجد وحماس وإبداع.
ستكون هناك كثير من العقبات والمحاذير، وعوائق البيروقراطية، ومزاعم الخصوصية.. لكن تظل هناك حقيقة واحدة مؤكدة يعلو صوتها فوق كل صوت، وهي أن كل مشكلاتنا المستعصية لن يحلها سوى جودة التعليم ورقيه، وهو ما ينبغي أن نجعله الهدف الذي نعقد العزم على تحقيقه مهما كان الثمن.. بسرعة 200 كم في الساعة.