لا تزال أطلال «قصر المجصة»، الذي تحتضنه مدينة الطرف البوابة الجنوبية للأحساء، والتي تبعد عن مدينة الهفوف 14 كيلومترًا شاخصة للعيان، معتزة بتاريخها ومآثرها.

وفي جولة لـ»المدينة» في المكان، استمعت لهمس الحديث الدائر بين الأطلال تحكي لبعضها بعضاعن أيامها الزاخرة بالزوار والمناسبات، لا سيما تشرفها بالزيارات الثلاث للملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود -طيب الله ثراه-.

وأعتقد لو أن امرأ القيس استمع لنبرة الحزن والأسى واللوعة التي تغلب على حديث الأطلال، التي لم تفقد الأمل في أن يعود الزمان للأيام العامرة، لوقف عليها واستوقف صاحبيه وبكى واستبكى.

وتزيد الأطلال في حديثها والألم يعتصرها، متسائلة إلى متى سأظل أثرًا بعد عين، فقد كانت جنبات قصري تحفل بالقوافل الطالبة للاستراحة خلال رحلاتها من الأحساء إلى قطر وعمان، كما كان الزُّوار يحرصون على زيارتي في أيام المناسبات، وتزيد متحسرة على ماضيها، أين النخيل والشجيرات التي كانت تلفني من مختلف الجهات، فقد هجرني أصحابي منذ «1390هـ».

وكلما حثني مرافقي على الرحيل، طلبت منه البقاء، ظنًّا مني أنه يسمع ما أسمعه، وإذا بالحديث المثمر يفصح عن أن القصر كان أول متنزه عرفه أهالي بلدة الطرف.

ويزيد طلل بقوله: «أنسيتم أن القصر كان قلعة شامخة، يحيط بها سور منيع، وفي زواياه الأربع بروج عاجية لاكتشاف أي هجوم خارجي على القصر»، فيرد عليه آخر لم ننسَ وأذكرك بالغرف العديدة التي كانت مخصصة للاستراحة، ويتوفر فيها مثلما يتوافر في الأماكن السياحية الطبيعية.

لم أستطع البقاء في المكان أكثر من ذلك، فقد بدأت عبراتي تتساقط تعاطفا مع الأطلال، ولم أستطع فعل شيء لها، فذهبت إلى الباحث في آثار الأحساء عبدالله المطلق للاستزادة عن ذلك القصر فأضاف بقوله: «لقد تمَّ تجديد بناء القصر عدة مرات، آخرها في سنة 1337هـ».

وذكر أن الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- زار القصر ثلاث مرات، مشيرًا إلى أن المرة الأولى اختلف في تحديد تاريخها، والمرة الثانية كانت في عام «1330هـ»، والثالثة في عام «1331»هـ أثناء فتح الأحساء.

ولفت إلى أن أهالي الطرف قد شاركوا في بناء القصر، مبينا أن الطرف قرى معروفة في الأحساء، ورئيس تلك القرية «ابن حبيل»، وهو رجل معروف من الدواسر.

وذكر أن القصر كان يحتوي على بركة سباحة خاصة بالمجصة وعينين: إحداهما داخل سور القصر، وتقع في الزاوية الشمالية الغربية من القصر، والأخرى تقع خارج القصر، وهي خاصة بمرتادي القصر للسباحة وريِّ المزرعة.

وأضاف إن القصر يقع في مدينة تُسمى «طرف ابن حبيل» وهي قرية في طرف الأحساء من الجهة الجنوبية منه، كان بها المناخ بين الملك عبدالعزيز بن سعود -رحمه الله- وبين أهل الرقيقة، وأهل مراة الذين يسافرون إلى هناك، ويعتبر من المتنزهات المعروفة في الأحساء منذ العهد الماضي، إذ يرتاده أهل البلدة للاستئناس والراحة.

وأكد أن القصر كان واحة خضراء، حيث مصادر الماء الطبيعية التي تروي نخيل الواحة، قائلاً: «يكثر ارتياد الناس لهذا المكان في عطلة الأسبوع، وفي مواسم الزواج، حيث يتم غسولة «العروس» فيه بإقامة الحفلات الخاصة، حيث يتفيأون تحت ظلال الأشجار الوافرة التي تعانق السماء، وفي المساء ينعمون بنسيم البر الذي يبهج النفس ويجعلها في صفاء ونقاء دائم، ثم يعودون إلى منازلهم بعد قضاء وقت ممتع بصحبة الأقرباء والأصدقاء».

وأفاد بأن المجصّة تُعدُّ موقعًا أثريًّا كبيرًا، يشمل على تلٍ أثري وأطلال جدران قصر أثري، يعرف بقصر المجصة أو قصر ابن حبيل.

ولفت إلى أن تصميم قصر المجصة لا يختلف كثيرًا عن القصور التقليدية بالمنطقة، قائلاً: «ولعل أهم ما يميّزه، أساساته الحجرية الضخمة، وجدرانه الطينية الحمراء، وتقع بأحد مرافقه الداخلية بئر ماء، في حين توجد آثار عين ماء كبيرة ملاصقة لسور القصر الجنوبي من البرج، وقد كانت هذه العين تفيض بالماء».

أمّا المواطن عبدالرحمن بن صالح فأبدى استياءه جراء الإهمال الذي يلحق بقصر المجصة، مطالبًا بتجديده ليصبح من المعالم الأثرية.

بينما قال المواطن حبيب محمد الأحمد: «بعد تقصٍّ لقصر المجصَّة الذي سمعتُ عنه كثيرًا، ووصلتُ إليه فاندهشتُ حيثُ لم أشاهد سوى أطلال شبه مُندرسة، ولم يتبقَ من ذلك القصر شيء يُذكر بفعل عوامل الجو من أمطار ورياح»، مطالبًا مسؤولي هيئة السياحة والآثار بالنظر إلى هذا القصر، والاهتمام به، والعمل على إعادة ترميمه ليبقى شاهدًا من المآثر التراثية والأثرية في بلادنا.