في الوقت الذي تقول فيه الأرقام ان الاقتصادات العربية المنهكة بالبطالة والديون والفقر تحتاج إلى 500 مليار دولار حتى تتعافي تدريجيا، تشير التقارير الدولية ان الأثرياء والمستثمرين العرب والمسلمين لديهم في البنوك الغربية ما يصل مجموعه إلى 4000 مليار دولار وهو رقم يعادل ثمانية أضعاف ما تحتاجه الأمة الإسلامية لبناء نهضة اقتصادية غير مسبوقة، فهل يمكن ان يتحقق ذلك في المستقبل، وما هي العوائق داخليا وخارجيا. ذلك ما تطرحه الرسالة في التحقيق التالي.

أوضاع مزرية

يري الدكتور محسن الخضيري أستاذ الإقتصاد بجامعة عين شمس أن وجود أربعة آلاف مليار دولار مملوكة للعرب ومودعة في البنوك الغربية يعني أن العرب لديهم فرصة ذهبية للتخلص من سيطرة الإقتصاد الغربي وآلياته على الإقتصادات العربية وتحجج الأثرياء العرب بأن الأسواق العربية غير آمنة والأوضاع السياسية في العالم العربي غير مستقرة تحجج مرفوض لأن القاعدة الإقتصادية تقول: إنك إذا صنعت وقدمت منتجا متميزا وبسعر متميز فإن الإستمرارية ستكون لك رغم أي عوائق.

وعلى الثري العربي الذي يتحجج بالوضع السياسي ان يحاول استعادة أمواله كاملة من البنوك الغربية وسيرى أنهم لن يوافقوا وهذا يعني أن أمواله في حكم المحجوز عليها وبشكل عام فإن الأرقام الخاصة بحجم الأموال العربية المهاجرة تثير الأسى والحزن.

وأضاف أن الأحداث التي يمر بها العالم اليوم تشكل خطرا من نوع جديد على الأموال الموجودة في الغرب فالوضع الاقتصادي العالمى اليوم يتجه نحو تشجيع الاستثمارات المحلية وتغليبها على الأجنبية وهكذا فمن الممكن أن تتعرض الأموال العربية المهاجرة لخطر زيادة الضرائب بين يوم وليلة إضافة إلى خطر تعقيد إجراءات التحويلات أو إخلال الحكومات الغربية بواجباتها تجاه تلك الاستثمارات إذا وجدت في ذلك الإخلال حماية لرأس المال الوطني هناك.



الفوضى والعشوائية

من جهته، يؤكد الدكتور محمد موسى عثمان أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر أن هناك أسباب عدة لهجرة الأموال العربية أهمها عدم تنظيم السوق الاستثماري في العالم العربي وسيادة الفوضى والعشوائية في التعامل مع الاستثمارات، كما لا توجد خريطة واضحة المعالم لدى الحكومات العربية توضح للمستثمر أوجه الاستثمار المتاحة ومدى الاستفادة من المشروعات وكيفية التعامل مع السوق المحلي حيث تترك الحكومات كل تلك الأمور مبهمة أمام المستثمر الذي يخشى المجهول فيهرب باستثماراته. وأبدى أسفه لأن العالم العربي يعامل المستثمر الأجنبي أفضل من معاملته للمستثمر العربي وهو أمر يجعل الأخير يفضل هجرة أمواله خاصة، مع انخفاض الربحية المتحققة للمستثمرين قياسًا بما يمكن أن يتحقق لـه في الدول المتقدمة، وذلك فضلا عن الخوف المزمن من الأوضاع السياسية والامنية في العالم العربي وهو لا مبرر له على الإطلاق.

ويضيف عثمان ان هناك مشاكل عديدة تترتب على هجرة رؤوس الأموال العربية إلى الخارج أهمها تراجع التشغيل وارتفاع نسب البطالة إضافة إلى تراجع الدعم الذي تقدمه الحكومات العربية لمواطنيها لتخفيض أسعار السلع الاساسية، كما يترتب على هجرة الثروات العربية ضعف النمو الاقتصادي و تعطيل استثمار الموارد الاقتصادية داخل الدولة وهو ما يؤدي بالتالي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي للدولة.

وعن الحل من وجهة نظره يقول د. عثمان: يجب على الحكومات العربية أن تلعب دورا هاما والتكاتف فيما بينها لوضع خطط وسياسات اقتصادية متكاملة وآمنة تعيد الثقة المفقودة بين الإقتصاديات العربية وأصحاب رؤوس الأموال العربية المهاجرة وتوضيح الدور الوطنى الذى يجب أن يلعبه رأس المال العربي والإسلامي في تحقيق التنمية والنهضة الشاملة بالبلدان الإسلامية وهنا يأتي دور الإعلام العربي بتقديم الصورة الإيجابية للأوضاع في الداخل العربي والتوقف عن بث الصورة السلبية فقط وعلى الحكومات العربية أيضا توضيح إيجابية الإستثمار في الأسواق العربية.

ودعا الأثرياء العرب لأن يدركوا اليوم أكثر من أي وقت مضى ضرورة إعادة ثرواتهم وتشغيلها في مجتمعاتهم حرصا على تنمية المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه والذي وفر لهم كل هذه الثروات.



التيسير مهم

ويشير الدكتور عبدالرحمن يسري رئيس قسم الإقتصاد الإسلامي بجامعة الإسكندرية إلى أهمية عودة الثروات المهاجرة ليس من أجل دعم الإقتصادات العربية فحسب ولكن لإنقاذ الأثرياء العرب من ضياع أموالهم فالواقع يؤكد أن تلك الأموال المودعة في الغرب تخضع لسيطرة البنوك الغربية تماما ومن الممكن أن تتعرض للمصادرة في أي وقت ولنا في تعرض الكثير من الجمعيات الخيرية لتجميد أصولها عقب أحداث سبتمبر القدوة والمثل في ذلك

ويضيف يسري أن العرب وهم يعملون على استعادة ثرواتهم المهاجرة لابد ان يضعوا في حسبانهم إشكالية مهمة وهي كيفية إدارة واستثمار تلك الاموال الضخمة خاصة في ظل تأكيد الخبراء على أن اقتصاداتنا العربية لا تتحمل عودة كل تلك الأموال ولهذا فإن الحكومات العربية عليها تنظيم ملتقى عربي إسلامي يعمل على وضع الخطط والآليات الخاصة بكيفية تقديم الإغراءات لاستعادة أموالنا المهاجرة وفي نفس الوقت وضع خطة شاملة بأهم المشروعات المطلوب تنفيذها كي تنعكس بالإيجاب على أصحاب الثروات والإقتصاد العربي الذي يعاني الانهيار في الكثير من الدول، وفي رأيي الشخصي لابد من الإستفادة من مبادئ الشريعة الإسلامية وتعاملها مع المال من خلال الإعتماد على المشروعات الإنتاجية الضخمة وليس المشروعات الإستهلاكية فحسب والإستفادة من الموارد البشرية العربية والتوقف عن استيراد العمالة من خارج الوطن العربي، وشدد على ضرورة نشر ثقافة المعاملات الإسلامية بين الجماهير بحيث تختفي ظاهرة الرشاوى والبيروقراطية و العمل على التيسير إداريا وقانونيا لكل مستثمر عربي يرغب في نشر نشاطه في أي دولة عربية او إسلامية.



الاستثمار الصحيح

ويؤكد الدكتور سالم عبدالجليل وكيل وزارة الأوقاف المصرية سابقا أن الوقت حان لتوطين رؤوس الأموال العربية والتوقف عن توريدها للخارج وبدلا من ذلك علينا ان نورد لهم منتجاتنا التي صنعناها بأيدينا والأهم ان نبصر الناس بخطورة ترك أموالهم تدار وتستثمر في بلاد غير الإسلامية.

ولابد ان يعي كل رجل أعمال عربي لديه أموال في الغرب أنه مأمور بالعمل والسعي في هذه الحياة في دائرة مجتمعه الذي يعيش فيه لتحقيق المقاصد الشرعية له ولدينه أي لحياته ومعاده وآفاق استثمار الأموال في نظر الإسلام ترتبط بتحقق هذه الأمور الرئيسية الثلاثة للإنسان في هذه الحياة، لأن الإنسان لا يكلف إلا بما يقدر عليه.

ويضيف عبدالجليل إذا انتهجنا أسلوب التوضيح الشرعي لمسألة هجرة الاموال العربية فإننا سنستعيد جزءا كبيرا من تلك الاموال لتصب في النهاية في صالح الاقتصاد الإسلامي وهنا يأتي الجزء الثاني من القضية وهو ماذا نفعل بالأموال العربية بعد اقناع أصحابها باستعادتها من الخارج، وأشار الى ضرورة توجيه تلك الثروات نحو الشركات الإنتاجية التي تعمل في مجال الضروريات وكذلك المشروعات التى تصب في مصلحة الإقتصاد بحيث نبني نهضة اقتصادية شاملة تطبيقا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: لو قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها».



البذل والسعي

ويقول الدكتور إسماعيل الدفتار أستاذ الحديث الشريف بجامعة الأزهر أن الواجب شرع بالنسبة لاستثمار الأموال العربية والإسلامية وأن تكون في بلادهم وأوطانهم وبين أهليهم وذويهم، لإمكان المحافظة عليها والقدرة على الاستفادة منها استفادة فعلية حقيقية تمكنهم من تحقيق المطالب الشرعية الثلاثة الضرورية والقدرة على الذود عنها من كل مغتصب أو طامع من غير أصحابها.

والشريعة الإسلامية تؤكدا لنا حرمة استثمار الأموال العربية والإسلامية خارج بلاد الأمتين العربية الإسلامية إلا فيما زاد عنهما وكانت هناك ضرورة أو حاجة تتعلق بمصلحتهما أولا وأخيرا، وبشرط ألا يكون ذلك مؤثرا في أي جانب من الجوانب الثلاثة السابقة، والذي يقدر ذلك هم أهل الحل والعقد وهم أولو الأمر العدول وأهل الخبرة وأصحاب الاختصاص وأهل المشورة من الناس حسبما يقتضيه أولو المقام.



الجهاد الاقتصادي

ويقول الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق: الشريعة الإسلامية تشجع العمل والإستثمار لأن العائد يفيد الفرد والمجتمع وفي الوقت نفسه تحرم الشريعة الإكتناز لأن فيه حبس المال عن القيام بدوره الإستثماري وأرى أن إيداع المسلمين أموالهم في الخارج هو نوع من أنواع الإكتناز المرفوض شرعا لأن ذلك يؤدي إلى الإضرار بالمجتمع المسلم ولأن المال في نظر الإسلام أداة لإسعاد الفرد ومجتمعه من خلال الإستثمار وما يخرج منه من زكاة وصدقات والله تعالى يقول في القرآن الكريم: «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ».

وأضاف سبق وان قلت اكثر من مرة: إن الأمة الإسلامية في حاجة اليوم أكثر من أي وقت آخر إلى فتح باب الاجتهاد في المجال الاقتصادي من أجل نشوء نهضة اقتصادية علمية تشمل كل بلدان العالم الإسلامي ولابد ان يحتوي ذلك الإجتهاد على جزئية الأموال العربية وهل يباح استثمارها في الخارج في شركات لا نعلم في أي شيء تعمل أم لابد من استثمارها داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية ولابد أن نعي ان الإجتهاد الإقتصادي يحتاج إلى التعاون الوثيق بين فقهاء الإسلام ورجال الاقتصاد والتجارة بحيث تتوازن قواعد العبادات التي تنظم صلة الإنسان بربه سبحانه وتعالى، وتتجسّد المعاملات والسلوكيات الإسلامية التي تنظّم صلة الأفراد ببعضهم البعض وبالمجتمع الذي يعيشون في نطاقه.

كما أن على علماء الدين الإسلامي أن يلعبوا دورهم في تبصير رجال الأعمال والأثرياء الذين يضعون أموالهم في الخارج بأهمية أن تدار تلك الأموال وفق أحكام الشريعة الإسلامية وهو أمر من الصعب حدوثه في الغرب حتى لو كانت هناك نوافذ بنكية تتبع أحكام الشريعة لأنها في العديد من الأحيان ستخضع لقوانين غربية لا تضع في اعتبارها أحكام الإسلام في التعامل مع المال والإستثمارات.