عندما اقترحت على فنان العرب محمد عبده لأكتب قصة نجاحه، لم يكن في ذاكرتي سوى بعض الأغاني التي أحفظها عن ظهر قلب، وأرددها بيني وبين نفسي أحيانا، عندما أكون خارج المملكة ويستبّد بي الحنين فإذا به يتراءى لي، ويغني «حبيبتي»، و»الله أكبر»، و»يا السعودي يا بطل»، و»جنود السلام»، و»لا إله إلا الله»، ورائعته «فوق هام السحب»، ويخفف عني آلام الفراق، وعندما يلح عليّ هاجس حبيب قسا علي في لحظة ما وتركني وحيدا بدون أمل في الرجوع، وكم تغنيت ( وعلا صوتي بالغناء أحيانا ) بالأماكن التي جمعتني بحبيب في أوقات مشرقة من حياتي ولم أعد أراه فيها بعد ذلك، وكم حاولت أن أستنطق الأماكن بفعل غناء محمد عبده، وأسألها عن أحباب لي رحلوا، تماما كما كان يفعل الشاعر القديم.

كانت بذهني أخبار متفرقة عن معركة دارت حول لقب فنان العرب، وكان عبده فارسها المنتصر، وفتى كان يعد نفسه ليصبح بحّارا تحقيقا لحلم والده فاختطفته عرائس الغناء.

قادتني قدماي إلى ستوديو «صوت الجزيرة» بحي النزلة اليمانية بجدة الذي أنشأه فنان العرب محمد عبده عام 1977، ويقف شاهدا على العصر لمدى ثلاثة عقود، شهد فيها تطور الأغنية والموسيقى السعودية والخليجية، واحتضانه للعديد من القامات الفنية العربية.

في صوت الجزيرة تستحضر شخوصا فنية رحلت وأخرى لا تزال على قيد الحياة، فمن هنا انطلقت أعذب الألحان، والكثير من الأعمال الفنية، كما شهد العديد من الزيارات من قبل الملحنين والمطربين والكتّاب والشعراء.

عمارة فنان العرب بالنزلة تضم إلى جانب المكاتب الفنية، استوديو التصوير وأعمال الفنان محمد عبده التجارية، وكان هذا المكان في السابق مسكنا له مع أسرته قبل أن ينتقل إلى حي الروضة.

و الاستوديو جمع الكثير من الشعراء والملحنين، إلى جانب أبرز الفنانين خاصة الراحل طلال مداح، الذي انطلق في رحلته مع الفنان محمد عبده معا لإثراء المجال الفني في السعودية، وأضاف أن جميع الأوبريتات التي تنقل على شاشة التلفاز كانت تصور في البناية، فيما يتم تركيب الأصوات داخل الأستوديو.

ويشير العاملون بالاستوديو إلى أن الموقع كان مصدرا لكمّ كبير من أعمال البر والتكافل الخيري والمساعدات للمحتاجين، وأن العمارة تعتبر تاريخا حيا للفن خلال السنوات الثلاثين الماضية، فقد زارها العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، وعبد الكريم عبد القادر، وغريد الشاطئ وعبد المحسن المهنا، وعبد اللطيف البناي، وفايق عبد الجليل الذي توفي في العراق وغيرهم من الفنانين العمالقة.

كما أن بناية صوت الجزيرة اكتسبت أهميتها من قربها لمبنى التلفزيون، إذ لا تبعد عنه سوى بنحو 500 متر، وأن أعز الذكريات لفنان العرب انطلقت من هنا، حيث رزق ابنته نورة، ثم بأبنائه عبد الرحمن، وبدر، وهيفاء، ويذكر أهالي الأحياء المجاورة أنهم يترصدون خروج ودخول فنان العرب لتحيته.

بداية مريرة ونجاح محقق

لم تكن الأرض مفروشة بالورد حين بدأ محمد عبده مشواره الفني، هزيمة كادت أن تقضي عليه في أولى خطواته، ففي أول مشاركة له في مسرح الإذاعة، الذي كانت تنظمه إذاعة جدة، تلقى ما يشبه الضربة القاضية، فحينما غنى قصيدة من كلمات الراحل سعيد الهندي تثاءب خلالها الحاضرون في أجواء مسرحية لا تتسع لمثل تلك القصائد، ليأتي بعده الفنان الكبير عبد الله محمد برائعته "حيران وليه سنة" فيشعل المسرح، ويهيمن عليه.

لم يخرجه من حالة الإحباط تلك سوى تعرّفه بالشاعر الغنائي إبراهيم خفاجي، الذي نصحه بتطوير قدراته على التعامل المباشر مع الجمهور، والتعرف على سيكولوجيته، وذوقه الفني. يقول محمد عبده: "استفدت من درس الخفاجي، فكنت أحمل آلة عودي في نهاية كل أسبوع لأغني في حفلات الزفاف مجاناً، حتى اكتسبت مفاتيح التعامل المباشر مع الجمهور، ومعرفة شرائحه، وأذواقه".

وتعلّم عبده الدرس جيدا، وكانت فرصته الأولى في تحويل مساره من البحر إلى الغناء ببيروت فانتهزها الفنان الصاعد وفي ذاكرته ذلك الصبي الذي تحتضن خطاه دروب حي "الهنداوية" في نهاية كل أسبوع، حينما كان يخرج من القسم الداخلي بدار الأيتام بجدة لزيارة شقيقته في ذلك الحي، بعد أن منعته قوانين "الرباط الخيري" الذي تقيم فيه والدته من الدخول إلى حرم الأرامل والمسنات، فكان منزل شقيقته الملتقى الأسبوعي الذي يجمع شمل أسرة مزّقها الفقر والحرمان والحظوظ العواثر.

في الهنداوية الحياة لها روح

في الهنداوية تبدو الحياة بسيطة، لا كلفة فيها ولا مشقة، هناك مشاهد بعينها حفرت لها مكانا في ذاكرة الحي الفقيروصارت علامة على حياة تملأها الروح، في العصرية يمر بائع المنفوش، وصوته يعلو : منفوش هيا منفوش، وهو عبارة عن أقراص كبيرة رقيقة من دقيق القمح أو الذرة تتكسر من رقتها. وكنا نشتريها بقرشين ومن لم يكن يملك سوى قرش واحد يعطيه راعي المنفوش نصف قرص.

وبعد المنفوش يمر صاحب الغريبة وحلاوة السمسم والنارجين ووراءه بياع الفول والترمس، وما أحلى صوته وهو يقول: فول على ترمس والنافع الله يا حلبة.

في الهنداوية كان يمر بياع اليغمش والصنايعية: المنجدون ومصلّحو الدوافير، فالمنجدون ينفشون الطراريح بالعصيان مقابل ريالين لكل طراحة، أما مصلّحو الدوافير فكانوا من الجنسية الفلسطينية وكان مصلّح الدوافير يقوم بإصلاح الطباخات التي يصير فيها تنسيم ويقوم بصنفرة مكان التنسيم ولحامه بالكاوية، والأولاد يشكلون حلقة من حوله وهم يتأملون ما يصنع.

ويمتلئ المشهد ببياع الفحم في ثوبه الأسود ومركبي الأسنان وكانوا من الفلسطينيين وهم يجوبون الشوارع ومعهم شنطة العدة تحتوي على زرادية وكلابة وأسنان، وليس لهم نداء خاص، وبمجرد أن تناديه الناس يقوم بوضع العدة وتركيب الأسنان للزبون وكان السنّ بخمسة ريالات.

جازان الفن والرياضة

ينتمي عدد من الفنانين والمشاهير إلى منطقة جازان التي تتبعها محافظة الدرب، تلك التي شهدت مولد فنان العرب، فأشهر الفنانين وعلى مستوى العالم العربي من جازان إضافة إلى محمد عبده،الفنان:عبد المجيد عبدالله من محافظة العارضة ،الفنان محمد عمر من محافظة أبوعريش، وعلى مستوى اللاعبين الأخوان عبده عطيف وأحمد عطيف، ونايف هزازي.

عرّابه الحقيقي

سألت نفسي: هل رحيل والده المبكر عنه وهو ابن السنوات الثلاث كان وراء كل هذا الشجن الذي يحمله صوت محمد عبده؟

هل والدته السيدة سلام والمثبتة في الأوراق باسم سلمى نصر الله رزق الله رحمها الله هي التي صنعت من الفتى الأسمر ابن الصياد البسيط رجلا بحجم فنان العرب؟

كم تمنيت أن أتحاور مع تلك السيدة قبل رحيلها وأسألها عنه، عن اهتماماته وهو صغير، أفكاره، أحلامه، كلماته التي كان ينطق بها، تلك الأسئلة التي تستطيع (هي فقط) الإجابة عنها.

كنت أطالع صورتها من زمن الأبيض والأسود، واستنطق ملامحها، ووجدتني أسأل زميلي المصور ورفيق رحلتي في البحث عن قصص النجاح: ألا تلحظ الشبه بين تلك الملامح ووجه فنان العرب؟

لم أكن أعني بالسؤال الخطوط التي تجعل للوجه الواحد أربعين شبيها، ولكن كنت أقصد المحتوى ونظرة العينين، والصرامة التي كانت وراء صناعة اسم محمد عبده.

ووجدت ضالتي عندما قرأت اعترافا لمنافس فنان العرب الراحل طلال مداح، أشار فيه إلى أن أم محمد عبده هي التي تفوقت عليه (على طلال مداح) في ظل صراعهما الفني على القمة، لقد نظمت حياته وكل شئ له في الشؤون الاجتماعية والفنية.

ويؤكد فنان العرب أن والدته هي عرّابه الحقيقي، لأنها كانت له الأم والأب والعم والخال، لافتا إلى أنها كانت تدعو له بأن يحبب فيه المتقين، وأنها قامت على تربيته الثقافية والاجتماعية حتى أصبح رجلا مشهورا.

ويقول: كانت الرّبان الذي عبر بنا أشد العواصف دون أن يسمح للريح أن تحني هامته ولا هامات ركاب السفينة. تعودنا معها على الفقر الكريم، الذي لا يزيد صاحبه إلا كبرياء، فكنا نرسم الحلم في عيوننا المتعبة قبل أن ننام، ولا نبالي بلون الصباح.

كنت حريصا أن أعرف أكثر عن تلك السيدة التي مازال فنان العرب يحتفظ بأثاث حجرتها كما تركته، ليأوي إليه حينما تتعبه الأيام بحثاً عن حضن تعوَّد أن يلجأ إليه، ولم يزل عبقه يعطّر الوجدان.

ويكشف الفنان محمد عبده عن افتقاده للحنان حتى وهو في أوج مجده في عبارة عن أسرته قائلا: أحب أن يدللني الجميع في الأسرة، فأنا كنت مفتقدا لهذا الدلال بسبب أجواء الفقر واليتم، لكن الآن الحمد لله أصبح هناك دلال من أبنائي وبناتي السبع.

موهبة التلحين

يكشف فنان العرب أن موهبته الحقيقية تكمن في التلحين، وأن العديد من الأغاني الناجحة التي قدمها كان من ألحانه، وقد التفت النقاد إلى هذه الموهبة، وأكدوا أن أحد أهم أسباب نجاح محمد عبده هي ألحانه، يقول فنان العرب: قدمت من ألحاني فترة السبعينيات أغنية الرسايل التي أعدت تقديمها بشكل مبهر في حفلة لندن 97 و في الثمانينيات قدمت واحدة من كلاسيكيات الموسيقى في الخليج وهي صوتك يناديني ثم قدمت بعدها أرفض المسافة و جمرة غضى.

إلا أن العمل الذي عكفت فيه على تقديم كل طاقاتي الإبداعية والموسيقية هو أنشودة المطر للشاعر العراقي بدر شاكر السياب التي كانت جاهزة في العام 1990 إلا أن الغزو العراقي للكويت أجّل تقديمها إلى سنة 1991.

هذا بالإضافة إلى عدد من الألحان الشعبية التي قدمتها خلال الثمانينيات و التسعينيات.

طلال وعبده.. منافسة باتجاه الفن الجميل

وتأتي المنافسة بينه وبين الراحل طلال مداح التي امتدت إلى الجمهور الفني وقد انقسم إلى فريقين: فريق طلال مداح، وفريق محمد عبده علامة على ثراء فني أسس للأغنية السعودية، ولم تك تلك المنافسة المثالية خالية من بعض الضربات القليلة تحت الحزام، حتى إن محمد عبده يبتسم عندما يتذكر ذهابه إلى الأستديو في بيروت لتسجيل أغنية "مقبول منك كل شيء مقبول" من ألحان المرحوم عمر كدرس فيجد الراحل طلال مداح قد سبقه إلى هناك ليسجل تلك الأغنية بصوته.

يقول محمد عبده عن هذه الواقعة: عدت يومها إلى الفندق غاضباً وحزيناً، ولكنني لم استسلم لتلك المشاعر، وقررت أن أفعل شيئاً أرد به على الكدرس وطلال مداح، فاعتكفت في غرفتي بالفندق أياماً خرجت منها بأغنية "الرمش الطويل" التي سبقت شهرتها وصولي إلى جدة، وأطلق اسمها شعبياً على أنواع من الأقمشة والسجائر والعربات في السعودية.

لكن هذه المنافسة بين طلال مداح ومحمد عبده لم تمنع أن يصف عبده طلال بأنه الصوت الأكثر نقاء في عالمنا العربي، ولم تمنع المنافسة أن يعترف طلال بأن عبده فرض نفسه بفنه على ساحة الغناء.

ويؤكد عبده في أكثر من مناسبة أنه رغم تاريخه الطويل في الغناء فمازال يتعامل مع كل أغنية جديدة وكأنه يغني لأول مرة، ومع كل حفل يحييه وكأنه أول لقاء له مع الجمهور، ويذكر أنه في لندن عام 1997، وبعد فترة طويلة من التوقف، كثرت خلالها الشائعات حول اعتزاله الفن، قضى أسبوعا، كان يذهب خلاله يوميا من العاشرة صباحا حتى العاشرة مساء لإجراء "البروفات" مع الفرقة الموسيقية، ويعود بعدها منهكا إلى الفندق لا يقوى على فعل شيء.

وردة تقاطع جلال معوض بسبب عبده!!

ويذكر فنان العرب واقعة تؤكد ما أحرزه من نجاح في عالم الغناء، ففي إحدى حفلات صيف القاهرة، كان من المفترض أن يغني محمد عبده قبل وردة الجزائرية، وقد قام متعهد الحفل آنذاك "جلال معوض" بتقديم النصائح للفنانة وردة بالغناء قبل محمد عبده؛ لكنها لم تستمع إلى تلك النصيحة، وقالت إن لها جمهورها وعشاقها، وبعد انتهاء فقرة محمد عبده، همَّ الناس بالخروج وغادرت الجماهير بكثافة، ودخلت الفنانة وردة على المسرح واستقبلها جمهور ضئيل؛ لذلك لم تغن وردة سوى أغنية واحدة، غادرت بعدها مكان الحفل، ثم سافرت إلى أوروبا، وقطعت علاقتها فورا بالمتعهد "جلال معوض"، رغم أنه قام بتقديم النصح لها، لذلك استحق محمد عبده لقب مطرب وفنان الجزيرة العربية، وهكذا انتهت فترة السبعينات بكل هذه النجاحات المتواصلة، في وقت كان العمالقة في مصر يقدمون روائعهم مثل "أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ".

في موسوعة الغناء العربي

وقد اختار المؤرخ الفني محمد قابيل الفنان محمد عبده في "موسوعة الغناء العربي في مصر" الموسوعة الأولى من نوعها كواحد من أبرز الشخصيات الغنائية من بين 724 شخصية عربية أسهمت في تطور الأغنية العربية خلال القرن الماضي.

وتضم الموسوعة أسماء غالبية المغنين العرب إلى جانب الشعراء والموسيقيين أمثال عبده الحامولي، والسوري أبو خليل القباني، وعبد الحليم حافظ، وماهر العطار، وشادية، ونجاة الصغيرة، وفايزة أحمد، وهدى سلطان، وسعاد محمد، واللبنانيين فهد بلان وفيروز ونجاح سلام والعراقي ناظم الغزالي، وصولا إلى الجيل الجديد مثل: علي الحجار، محمد الحلو، هشام عباس، محمد منير، ومن لبنان عاصي الحلاني، نوال الزغبي، وديانا حداد ومن سورية ميادة الحناوي، التونسية لطيفة، والعراقي كاظم الساهر.

ولم يتجاهل كاتب الموسوعة الفنانين المصريين الذين غنوا في الأفلام السينمائية مثل: سعاد حسني، أحمد زكي، عادل إمام، يسرا، يونس شلبي، سمير غانم، جورج سيدهم، الضيف أحمد، المنولوجيست شكوكو، وإسماعيل ياسين.

الغناء للداعية عائض القرني إضافة

وفي محطة أخرى للنجاح يؤكد فنان العرب أن غناءه لقصيدة الداعية عائض القرني أضاف له كفنان، وأضاف جمهوراً من محبي هذا النوع من الشعر وكذلك من محبي صاحب القصيدة، مشيرا إلى أنه هو وزملاؤه الفنانون كانوا يغنون هذا النوع من الأغاني الإسلامية والأناشيد والابتهالات مع نشأة الإذاعة والتلفزيون في فترة الستينيات.

ألف موظف وعامل

وإذا كان الغِنى يعد دليلا على النجاح فإن فنان العرب يصرّح بأن عائلته تنتقل من فقر إلى غنى، وأنه لا يملك مالا نقديا، ولكن عنده شركات، يعمل بها أكثر من ألف موظف وعامل.