Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

عبدالمجيد الزهراني يثير الدهشة بالدلالات الاجتماعية

u0639u0628u062fu0627u0644u0645u062cu064au062f u0627u0644u0632u0647u0631u0627u0646u064a u064au062bu064au0631 u0627u0644u062fu0647u0634u0629 u0628u0627u0644u062fu0644u0627u0644u0627u062a u0627u0644u0627u062cu062au0645u0627u0639u064au0629

في نص «حكة وتلبيقة» تشعر أن هناك شعرًا فائضًا يسيل له لعاب أكثر الشعراء، هذا الشعر هو - بالضبط - ما يزخرف به مجيد الزهراني أعيننا في حالته هذه.

A A
في نص «حكة وتلبيقة» تشعر أن هناك شعرًا فائضًا يسيل له لعاب أكثر الشعراء، هذا الشعر هو - بالضبط - ما يزخرف به مجيد الزهراني أعيننا في حالته هذه.
والحقيقة أن الكتابة عن مجيد أو أي شاعر من شعراء الطائف، وأنا كنت أقول وما زلت: إن شعراء الطائف لهم خصوصية مبهرة، تمامًا كما يمكن أن يقال عن شعراء عمان - مثلًا - غير أن شعراء الطائف أسبق في التجربة، وهو ما أعتقده - على الأقل - ومامن شك في أن لكل تجربة قائد، وقائد تجربة الطائف - بلا منازع - المشاكس قديمًا وحديثًا الحميدي الثقفي، الذي قدم ذات شعر؛ كي يفسر لنا معنى السواد في ذاكرة الأعمى
أقول: إن الكتابة عن مجيد تحتاج مني لوقفات..
الوقفة الأولى: التجربة الثرية التي تزخر بها نصوصه، تحمل دلالات اجتماعية مثيرة للدهشة، إذ يلتقط مجيد صورًا حاضرة في المجتمع، لكنها في ذات الوقت غائبة عمن يريد التقاطها، حتى بغير الشعر، فكيف لو أضفنا الشعر إليها؟.
الوقفة الثانية: حرص مجيد على التقاط هذه الصور يجعل منه شاعرًا فانتازيًا بامتياز؛ ذلك أن من أبرز ما يميز الشاعر المثير: تكبير الصورة، وأعني بتكبير الصورة هنا: خلق قضية من لا قضية، أو بمعنى آخر: الإشارة إلى ما يمكن أن يكون الناس قد غفلوا عنه.
الوقفة الثالثة: تماسك الصورة لدى مجيد يوحي بأمرين:
الأول: قوة التجربة، رغم قصرها، وأنا أقول هذا لأني أذكر بدايات مجيد جيدًا.
الثاني: عمق التجربة، وهذا يؤكد ما كنت أقوله سلفًا من: أن اللاحق من ركب الشعراء قد يلغي آثار السابق منهم بحضور يشبه حضور مجيد في هذا النص مثلًا.
قدمت بهذه المقدمة؛ لأن نصوص مجيد تجعل من اللازم على من يقرأها استعراض ما يمكن أن يمثل طريقة مجيد في كتابة النص، فهو بعيد جدًا عن المباشرة، في ذات الوقت الذي يمكن أن تشعر فيه بأنه شاعر مباشر، وهو مايعرف بـ»السهل الممتنع». ولنلحظ هنا - مثلًا - قوله:
تنام عرعر .. وأنا ما نمت في عرعر
والعين ما بين تغميضه وتفويقة
كنت أتساءل أول قراءتي للنص: لماذا لم يقل مجيد:
تنام عرعر .. وأنا ما نمت ياعرعر
خصوصًا وأن المسألة تبدو ولأول وهلة متعلقة بالمكان، فكثير من الناس لا يألفون الأمكنة كما يمكن أن يألفوا الأزمنة؛ ولذا نجد من الطبيعي وجود الأرق عند من ينزل لأول مرة في مكان ما، وهذه الوحشة بين الإنسان والمكان طبيعية، لكن غير الطبيعي أن الشاعر هنا أنام المكان ولم يستطع إنامة عينيه!.
ف العين مابين تغميضه وتفويقه
الجديد في تصوير وحشة مجيد للمكان ليس عدم تمازجه معه، بل لعدم وجود المؤنس - كما يقال - أو المنادم ..!!
وهذه الحجة وإن كانت هي أغلب حجج من لا يأنسون لأمكنتهم، غير أن مجيد انطلق في تصويرها من إنامة المكان، وليس من وحشيته، فهو استأنس المكان، بل أنسنه، لدرجة أنه فضله على نفسه، فأنامه قبل أن ينيم عينيه، في ذات الوقت الذي لم ينطلق غيره من الشعراء من خلق آصرة وحميمية بينهم وبين المكان، تجعلهم في مأمن من الوحشة من جهة، ومن جهة أخرى يمكن أن يهتدوا إلى طريقة استئناس المكان، بل وانسنته، بطريقة مجيد التي صور بها هذه العلاقة الطردية، والتي هي عكسية عند أغلب من لا يجيدون طريقة شاعرنا
العجيب أن شاعرنا لم يطلب الكثير حول طريقة استئناسه هذه، فهو مع كل مصالحاته إزاء المكان، إلا أنه لا يزال يبحث عن: صاحب لنص الليل
لماذا يصر مجيد على الصاحب هنا؟ ولماذا لنص الليل فقط؟ لماذا لم يترك التوقيت للمكان؟
هذه المصالحات -إن جاز التعبير- مع المكان قادت مجيد إلى مطالبات تكاد تكون مشروعة للمقيم، فضلًا عن المسافر، فهذه ليس مطالبات لمسافر لديه من نفرة المكان الشيء الكثير، بل قد تكون أيضًا هي ذات مطالبات المقيم، إذا هذا أيضًا يؤكد لنا أن مجيد قد تصالح مع المكان، فلم يعد يرغب سوى في صاحب لبضع ساعات، أي: أقل من الليل
وفي النص من المؤشرات التي تضيف إلى قولنا: إن الشاعر هنا قد تعامل مع البيئة كشخص له روح وكيان الشيء الكثير، فهو يمازج بين المحسوس واللا محسوس، كي - ربما - يخلق ذلك التصالح الذي تحدثنا عنه. ولعل في قوله:
ديرتك من شكلتك: الماء وإبريقه
الماء هنا ماهو إلا دلالة على الإنسان في أول صورته التي خلقه الله عليها، والإبريق - أيضًا - ليس إلا دلالة على الإنسان، الذي كان سببًا في تشكل ذلك الماء.
ومع أني أجد في صدر البيت ما يشير إلى خلاف ما ذهبت إليه، إلا أنني أرجح كفة ما ذهبت إليه من تعمد مجيد هنا إلى أنسنة الأشياء، ليس المكان فحسب، وإنما الإبريق والماء، الذي هو بطبيعة الحال حالة أولية للإنسان.
ومع وجود مفردات في النص قد تذهب بمجيد بعيدًا إلى حيث لا إضافة عينيه في النص، لكن يبقى أيضًا للحالة التي عاشها الشاعر أثرها من حيث هو ذلك الساخر في أصل شاعريته من كل شيء، وهو ما انعكس - بالمناسبة - إيجابًا على نصه هذا، فالواقع أن الشعراء غير المتصالحين مع بيئاتهم لا يمكن أن نعثر في نصوصهم الشعرية على مفردات هي أشبه مايمكن بلعبة الساحر الساخر،لا بل نجدهم يصورون معاناتهم بكثير من الألفاظ الصادمة باتجاه الحزن، إن كان حزنًا على المكان القادم منه الشاعر، أو كان حزنا من المكان القادم إليه، لكن مجيد هنا ذهب باتجاه الألفاظ الساخرة؛ كقوله: تتريق - تتمسخر وهي مفردات لا تتسق مع طبيعة النص كحالة هم يعيشها الشاعر حول طبيعة تجانسه مع المكان. وهنا أحب أن أضيف أيضًا، أن قول الشاعر:
وصاحبي لانشف ريقي .. نشف ريقه
الواقع أن الذي أراد قوله مجيد في هذا الشطر ليس ما كتبه، بل العكس تمامًا، لكن - وهذا من عيوب النص العمودي - أنه يجبر الشاعر على قول عكس ماكان يريد.!! فمجيد هنا أراد أن يقول:
وصاحبي لانشف ريقه .. نشف ريقي
لكنه اضطر إلى عكس ذلك؛ لأنه لا يستطيع فعل شيء غير هذا، وإلا لاختل النص (أعني من حيث بنيته).
لكن مجيد أجاد توظيفها بالشكل الذي يجعله مغردًا خارج السرب.
والسؤال: هل هذا كل مايريده مجيد في نصه هذا؟ الصحيح: لا.
فهو قد اعتاد على كسر السائد والمألوف، من الصمت المطبق، الذي أقفل الأفواه وكممها؛ ولذا نكاد لا نجد نصًا لمجيد خاليًا من الكوليسترول الثوري، يفتتح نصه بحمد الله والثناء عليه، ثم لا يلبث أن يلعن الشيطان وأعوانه.
وعندما استعرضت هذا النص بالذات، رأيت فيه ما يمكن أن يقال عن نص آخر لمجيد، وهو أنه عادة مايبدأ بالحديث عن همه الذاتي؛ ليجعل ذلك عبورًا إلى الهم العام.
أنا أكتب الشعر .. حتى انبت ورقًا أخضر
ولا أنتظر من يد الجمهور تصفيقه
هذه الأنا، ليست هي الأنا المتضخمة عند بعض الشعراء، بل هي صورة مصغرة لما يريد الشاعر نقله لنا عبر كاميرته ذات العدسة الكبيرة؛ ولذا فهو لم يتجاوز في الحديث عن نفسه سوى صدر بيت واحد؛ ليعلل لنا في العجز ما يريده من هذه المهمة الملقاة على عاتقه (الكتابة)، وهو أنه لا يبحث عن تصفيق؛ من أجل ذلك يحق لي - على الأقل - القول: إن مجيد ليس طالب شهرة، هو أستاذ شعر فقط.
لماذا يمكن أن يقال عن مجيد إنه أستاذ في الشعر؟
إن التعريف - الذي لا أظنه يخامر عقل شاعر ألبتة - وهو تعريفه للشعر في نصه هذا، يطلق العنان لكل سائل عن الشعر: إذًا الشعر هو ... بل الشعر هو .... لا بل هو ....
لأنه وبكل بساطة، لم يقدم لنا تعريفًا متوقعًا، أو ما يمكن أن يوصف حتى أنه غير متوقع، بل انتقل بنا إلى عالم المحسوسات؛ ليري القارئ الشعر الحقيقي، الذي يمكن أن يكون في صورة (دمعة ساقطة) أو (صحن يتكسر).
وإذا ما أمعنا النظر في الجامع بين الصورتين، لاحظنا أن الحزن والجوع هما المتلازمتان اللتان أراد الشاعر الوقوع عليهما، ولفت أنظارنا إليهما، مع شيء من تبسيط الصورة، فهل يعني حزنه هو؟ جوعه هو؟ أم حزن الناس وجوعهم؟
لا أشك أنه عنى الناس من منظوره هو؛ فهو العدسة التي يريد من الناس أن ترى
مواجعها من خلالها ..
وربط الحزن بالجوع هنا، يجعلنا أيضًا نتساءل: هل مانعنيه من وجود الجامع بينهما صحيحًا أم لا؟ الواقع أن قول الشاعر:
من أضيق الوسع .. حتى أوسع الضيقة
يشيء بشيء من هذا، فالحزن يضيق إذا اتسع، ويتسع إذا ضاق، وكذلك الجوع .
ثم هو يؤكد ماذهبنا إليه من القول: إن سياسة مجيد في نصوصه هي: الولوج إلى هم المجتمع من خلاله هو. وهو الواضح في: ( جابوا لنا .. صرنا .. ينقصنا .. نأمر .. ننهى .. لا نزني .. لا نسكر .. أقصى مدانا .. لنا الشوارع .. لنا المسمار والبنشر .. لنا حكة وتلبيقة)
كل هذا الصوت الجمعي المثخن بنص مجيد هذا ينطق بأشياء؛ لعل من أهمها:
- الوطن للجميع ؛ لذلك فالمزايدة عليه عبث .
- الهم واحد؛ لذلك فأنا الناطق باسمه، أو - فلنقل - أحد الناطقين.
- التشخيص - أيضًا - واحد، فالحالة التي يمر بها كاتب النص، هي هي الحالة التي قد يمر بها أحد أفراد حيه الذي يسكنه (حسًا وروحًا) ..
لكن المقلق من جارح الأسئلة: هل ما يقوله مجيد عن نفسه في البيتين الأخيرين من نصه هذا تنطبق على من يريد التحدث بألسنتهم:
يتغير الناس .. وأنا ما اقدر اتغير
مابدل الطفل زحليقه بزحليقه
ما أخاف تحقيق حلمي يوم يتأخر
أخاف حلمي يموت بيوم تحقيقه
بكل صدق: أتمنى أن يشعر الناس بمثل ما تشعر به يا مجيد
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store