لا أستحسن الخوض في المسائل المعروضة على القضاء ولا على الأحكام الصادرة عنه خاصة إذا كانت في المراحل الأولى من التقاضي، ولكن تنفيذ حكم الجلد الصادر بحق أحد المواطنين أثار في خاطري عدداً من التساؤلات التي أطمح في أن أجد لها جواباً وتفسيراً.
أول هذه التساؤلات هو ما هو موقف قضاتنا الأفاضل من الحديث الوارد في صحيح البخاري الذي نصه "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله"؟ هل ينكرونه؟ وإذا لم يكونوا ينكرونه وإذا كانوا يؤمنون بالحديث الذي رواه عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ونصه: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" أفلا يكفي هذا الحديث مع سابقه لندرأ عن أبنائنا الذين أسرفوا على أنفسهم عقوبة الجلد بأكثر من عشر جلدات؟
التساؤل الثاني هو عن الهدف من عقوبة الجلد، خاصة وأنها قد جاءت في الحالة الأخيرة مواكبة لعقوبات السجن والغرامة المالية، هل الهدف هو إيقاع الضرر والألم الجسدي؟ إن كان الأمر كذلك فلعل الحدود الشرعية التي تطبق في عقوبات الكبائر أولى بأن يحدد عددها بالمئات أو الآلاف، وفي تقديري أن الإجابة على هذا التساؤل تأتي ضمن الحديث الشريف الذي حدد الحد الأقصى للعقوبة التعزيرية بعشر جلدات وهي عقوبة رمزية تهدف إلى إيصال رسالة إلى الجاني دون إيقاع التعذيب الجسدي عليه.
التساؤل الثالث هو عن الحكمة في تكرار العقوبة عشرين مرة على مدى عشرين أسبوعاً وتنفيذها علانية، وهو أمر يوحي أن من أغراض هذه العقوبة إذلال الجاني وتعريضه للإهانة العلنية المتكررة، فكيف يتسق هذا مع قصة المرأة التي طبق عليها حد الزنا ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشماتة بها قائلا: "لقد تابت توبةً لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم".
لن أحدثكم عن تناقض عقوبة الجلد مع الأعراف والمواثيق الدولية التي تعتبر الجلد نوعاً من أنواع التعذيب المحظور دولياً، ولو كان الحكم الصادر مبنياً على حد من حدود الله القطعية لسلمنا به ودافعنا عنه إيماناً بشرع الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن من الواضح أن القضاء قد مارس في إصدار هذه العقوبة صلاحية التعزير وهي سلطة تقديرية، ولعله كان من الأولى أن نتأسى بقول الله عز وجل: "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".