منذ استدراك «الأخفش» بإضافة «بحر الْمُحْدث» لبقية البحور الـ(15)، التي وضعها أستاذه الخليلُ بن أحمد، ظلت هذه البحور الـ(16) محل اتفاق وتواطئ على صحتها ودقتها في ميزان الشعر العربي، غير بعيدة أيضًا عن مناوشة التجريب والاقتراح ومحاولة الإتيان بأوزان أخرى، وأنماط شعرية وصلت في تمردها إلى إسقاط الوزن والقافية على حد سواء.. كل ذلك بدعواى مختلفة، ولأغراض شتى.. وفي هذا السياق الباحث عن أوزان شعرية أخرى تضيف إلى البحور الشعرية الـ(16) بذات نسقها وطريقتها في الرسم، خرج الشاعر السعودي صالح الهنيدي ببحر شعري جديد، بتقطيع وزني منتظم، معضدًا بحره الجديد بقصيدتين على وزنه، مراهنًا على أنه سيكون إضافة للبحور المعروفة متى ما كسب التأييد من الأكاديميين، وهو ما وجده عند الدكتور عبدالرزاق بن فراج الصاعدي، أستاذ اللغويات بالجامعة الإسلامية، الذي يقول: إن بحر الشاعر الهنيدي لا يخلو من حس عروضي، وقدرة على الاختراع، ونظرتُ في أبياته التي مثّل بها؛ فوجدتها على هذا الوزن الذي اقترحه، وهو:

فاعلن فعولن مستفعلن فعولن

فاعلن فعولن مستفعلن فعولن

مع المزاحفة المقبولة في بعض التفعيلات.

ويمضي مضيفًا: هذا وزن مخترع، لا يعرف في أوزان الخليل، ولا ينفكّ من دوائره الخمس، وليس له أي شاهد قديم فيما أعلم، وأراه أقرب إلى أوزان الشعر العامّي، ومعلوم أن العامة يخترعون في أوزانهم ويخرجون عن الأوزان الخليلية، ولا يتقيدون بدوائر الشعر الفصيح الخمس التي لم يخرج عنها الشعر القديم إلا في محاولات قليلة في بعض العصور لم يكتب لها النجاح، فماتت في حينها.

غير أن الصاعدي عاد مستدركًا بقوله: لقد جاءت (مستفعلن) هنا مع ثلاث تفعيلات خماسية في كل شطر، وبدت شاذة، ونشزت على الأذن، وشوّهت الوزن، ومعلوم أن الأشطر ذات التفعيلات الرباعية في أوزان الخليل تأتي متوازنة، كما يظهر في دائرة المختلف من بحورها الخمسة الطويل والمديد والبسيط والمستطيل والممتد (والأخيران مهملان)؛ وأعني بالتوازن أن كل تفعيلتين متشابهتان على التعاقب، مثل:

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن



مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن

مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن



فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن

فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن

ولم يشذ من الرباعيات شيء عن هذا التوازن، حين يكون الوزن تامًا، لطول البحر، فكأن التوازن والتعاقب بين التفعيلة الخماسية والتفعيلة السباعية يخفف شيئا من ثقل الوزن. ولو جعل الأستاذ الهنيدي التفعيلة الأولى من جنس الثالثة لخفّفت من نشوز مستفعلن الثالثة، فيكون الوزن:

مستفعلن فعولن مستفعلن فعولن

مستفعلن فعولن مستفعلن فعولن

ومثاله من شعره بعد إضافة متحرك للشطر:

ولا تكن شحيحا ولا تعش ذليلا

بإضافة (و) ويمكن فعل مثل ذلك في العجز، فأصبح الوزن:



متفعلن فعولن متفعلن فعولن

وأصله قبل دخول الزحاف:

مستفعلن فعولن مستفعلن فعولن

وهذا مقبول نوعًا ما. أو يجعل التفعيلة الثالثة كالأولى، فيكون الوزن:



فاعلن فعولن فاعلن فعولن

فاعلن فعولن فاعلن فعولن

وهذا ضعيف في أوزان الشعر، وأحسن منه وزن المتقارب. ولذا أرى أن هذا الوزن المخترع، أعني:

فاعلن فعولن مستفعلن فعولن

فاعلن فعولن مستفعلن فعولن



لن يُكتب له النجاح والذيوع، حسب ذوقي على الأقل.

ورغم استدراكات الصاعدي المشيرة لنواقص وعيبات (بحر الهنيدي)؛ إلا أنه مصمم على طرح مقترحه على أوسع نطاق، حيث يقول: إنني أضع بين أيديكم نصّان شعريان جديدان أزعم أنهما من بحر جديد غير بحور الشعر الستة عشر المشهورة فقد حاولت وحاول غيري ممن استشرتهم في نسبته إلى بحور الشعر فعجزنا ولكم قبول التحدي ونشرهما في وسائل التواصل لديكم فإما أن أكسب الرهان ويصبح هناك بحر جديد رقمه (سبعة عشر) أو أكسب تفاعلكم البنَّاء وإثراء ذوائقنا العروضية.

وقد حظي تحدي الهنيدي بردود فعل كبيرة، حيث أيّدته فيما ذهب إليه مجموعة كبيرة من الأكاديميين والنقاد والأدباء، وباركوا له هذا الابتكار، وطالبوه بالمسارعة في تسجيله كبراءة اختراع، فيما توقف البعض وحاولوا التشكيك في سلامة الأبيات من حيث الوزن.