تنتهج الكثير من المهرجانات السينمائية -العالمية على وجه الخصوص- إنشاء صالات وأسواق سينمائية مصاحبة للمهرجانات الرئيسة، وهي صالات، أو أسواق دعائية، يتم فيها عرض الأفلام من قبل الأفراد والشركات، وفيها لا يتم النظر في الكثير من التفاصيل من قبل النّقاد السينمائيين، والتي قد تتوافر في المهرجان الرئيسي.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا يكمن في ماهية الهدف من إنشاء أسواق وصالات مصاحبة، طالما أن هناك مهرجانًا رئيسًا؟ثم هل وجود صالة مصاحبة للمهرجانات الرئيسة يخدم الأفلام أم لا؟ وهل هناك أفلام مهرجانات؟.
“الأربعاء” طرح هذه التساؤلات على بعض المخرجين السينمائيين السعوديين للخروج بتصوّر أكبر عن هذا الجانب.

عروض الأضواء
استهلالًا يقول المخرج جاسم العقيلي: “بعض المهرجانات تضع شروط وقواعد وقوانين لمشاركة الفيلم في المسابقة الرئيسة للمهرجان؛ بحيث إن الأفلام التي تُقبل في المسابقة، تصب في صلب هذا الموضوع، وقد تُقدم أفلام إلى هذا المهرجان خارج نطاق هذه القواعد أو القوانين أو الشروط، أو حتى خارج موضوع المهرجان؛ بحيث إنها تجارب تستحق المشاهدة، وأعمال رائدة وجميلة أيضًا، ولكنها خارج نطاق، أو خارج شروط، أو خارج موضوع المهرجان؛ لأنها تستحق المشاهدة، وتستحق أن يراها الجميع، وأن تُحتضن أيضًا، وبالتالي تُخصص إليها عروض مصاحبة، أو بعض الأحيان ما يُسمى بـ “عروض الأضواء”؛ بحيث إن النّقاد يحضرون هذه الأفلام ويشاهدونها ويعطونها حقها من التحليل من النقد، وأيضًا المشاهد، وكذلك السينمائيين بمختلف توجهاتهم كمخرجين أو كممثلين أو منتجين، حتى يستفيدوا من تجارب بعضهم البعض، والأمر ببساطة لا يعدو كون الفيلم لا يصب في اتجاه المهرجان، وبالتالي لا يحق له أن يشارك في المسابقة الرئيسة للمهرجان؛ لأنه يختلف عن بقية الأفلام المشاركة فيه، ولكنه لا يختلف عن معايير وضوابط الأفلام المشاركة في المسابقة الرئيسة، ومن منطلق أن الأفلام لم تُصنع إلا لتُشاهد، فوجود صالات عرض مصاحبة للمهرجانات يعد شيء أساسي”.
ويضيف العقيلي: “أما من ناحية المخرج، فالمخرج يريد أن يحتفي بفيلمه، وأن يراه الآخرون؛ لكي يقيّموا هذا العمل، ويقدّروا القيمة الفنية الموجودة فيه، أضف إلى ذلك وجود أفلام نوعية، وهي أفلام تستهدف المشاركة في المهرجانات بالدرجة الأولى، وهي بالعادة تكون أفلامًا نوعية تجريبية يجرّب فيها المخرج نمطًا جديدًا من الإخراج والتمثيل والطرح، والمشاهد العادي لا يقدّر مثل هذا النوع من الأفلام؛ لكونها ذات هدفية واحدة، والتي تختلف عن الطرق التي اعتاد أن يراها المشاهد من أكشن وإثارة أو غيرها من أنواع الأفلام الأخرى.
ظاهرة جيدة
أما المخرج السينمائي عبدالله الأحمد فيقول حول هذا الموضوع: “مثل هذه الفعاليات هي فعاليات مصاحبة للمهرجانات الكبرى، كمهرجان “كان” على سبيل المثال، والتي يندرج تحتها العديد من الفعاليات، ويديرها المهرجان بنفسه، منها المسابقة الرسمية، وفعالية تحت الضوء، وفعالية أسبوعين للمخرجين، كما يوجد فيه فعالية سوق الأفلام مثلًا، وفيه تستأجر الشركات مساحة معينة؛ لكي تعرض فيها أفلامًا من إنتاجها، ومثل هذه المسابقات لا تقتصر على الشركات فقط بل تتعداها إلى مشاركة الأفراد، أي المخرجين أنفسهم، بحيث يستأجر مساحة معينة في سوق الأفلام؛ ليعرض إنتاجاته هو، من أجل الحصول على المموّل الرئيسي لأفلامه، فمهرجانات مثل “كان” أو “فينيسيا” يُدفع عليها نقود، ولكن في النهاية تعد محاولة لتحريك السوق السينمائي وإعطاء الفرصة للكل لعرض أفلامهم؛ لأن الاكتفاء بعرض الأفلام في المسابقة الرئيسة يعد إجحافًا في حق بقية الأفلام، والتي لم تشارك في تلك المسابقة، وبرغم أنها لا تخضع أحيانًا إلى مسألة التقييم والنقد السينمائي، إلا أنني أرى أنها ظاهرة جيدة تمثّل حراكًا سينمائيًا جيدًا؛ لأن الجيد والرديء كلاهما سيُعرضان بطبيعة الحال، ولن يتم تمويل إلاّ الجيد فقط؛ ولذلك بقدر ما تحمل هذه الظاهرة على تبعاتها من سيئات، فهي تحمل أيضًا حسنات بنفس ذلك القدر”.
تخدم الأفلام
ويضيف المخرج فاضل الشعلة (أحد أعضاء مجموعة (قطيف فريندز السينمائية) بقوله: “ما أعرفه هو أن عدم توافر الشروط في بعض الأفلام هي السبب الرئيس في توجّه الأفلام إلى الأسواق السينمائية وبرامج المهرجان ومسابقاته المرافقة للمهرجان الرئيسي، كما أتوقع أن بعض المهرجانات الخليجية هي مهرجانات إقليمية محدودة في دول معينة، ولكن بقية مسارات المهرجان لا يمكن أن تخضع لهذا الإطار، لذلك نجد الكثير من الأفلام السينمائية الخارجة عن المسابقة والتي لديها صناعة سينمائية حقيقية قد تضيف إلى الأفلام الأخرى من خلال المماحكة والتجربة، وأرى أن مثل هذه العروض والبرامج المصاحبة تخدم الأفلام السينمائية بشكل عام؛ لأنه على حد علمي أن المخرج يتواجد خلال فترة عرض فيلمه ويُناقش فيما يحتويه فيلمه؛ ولذلك تتم الاستفادة بطريقة أو بأخرى، كما أن كثرة عروض الأفلام وبشكل يومي يزيد من خبرة المخرج، وبطبيعة الحال تلك الكثرة في عروض الأفلام تتوقف على كثرة العروض المصاحبة، وأذكر أن أحد الصحفيين أثار هذا السؤال في مهرجان من المهرجانات، ولم تكن إجابة منظمي المهرجان تحمل إجابات واضحة وصريحة حيال ذلك؛ حيث تغيب معايير قبول الفيلم في مسار معين في مهرجان ولا تقبله في مسار آخر، كما أن الحكام والنّقاد السينمائيين أحيانًا يقعون في الحكم الذاتي بعيدًا عن موضوعية المعايير، فعلى سبيل المثال وجدنا فيلمًا في إحدى المهرجانات السينمائية والتي لا تقبل إلا أفلاما خليجية، وهذا مخالف لشروط المهرجان، وأما عن العروض المصاحبة للأفلام الأجنبية ففي العادة يكون المهرجان هو من يستدعي هذه الأفلام، وليس العكس؛ للاستفادة من خبرة مخرجي هذه الأفلام في صناعة الفيلم السينمائي لديهم، حتى الكثير من الأفلام الخليجية تُستبعد لأسباب غير معروفة لتجد نفسها خارج المهرجان، والسبب لا يُعرف.. هل هو تقني، أم أن موضوع الفيلم غير مطابق لمحتوى المهرجان، برغم أن بعضها قد تكون تقنيته جيدة إلى حد كبير، وموضوعه مناسب للمهرجان، ولكن تُفاجأ بأنها استبعدت”.
حاسة الذوق
أما المخرج محمد الباشا فيقول: “تضع جميع المهرجانات السينمائية مواصفات بمقاييس لقبول دخول الأفلام المنتجة ضمن لائحة برامجها، وقد يخفق البعض في تحصيل هذه المواصفات، أو قد لا يراعي وجودها بحكم الاستقلالية، أو تكون المعطيات أو الذرائع التي يتكئ عليها، إلاّ أن مخرجها بالدرجة الأولى، ومن ثم منتجها لا ينفك عن مزاحمة وحضور تلك الفعاليات الجماهيرية، والتي تعتبر فرصة تسويقية وإعلانية، خصوصًا أنه يزاحم ضمن فضاء جغرافي (مكان المهرجان) ونفوس شغوفة (جمهور العروض) في أن يسلب البساط أو أن يوسم فيلمه القادم للصالات ببهرجة الإعلامية تصيب -في معظم الأحيان- من كسب جماهيرية تساعد على نجاح تسويق الفيلم، وحتى وإن كانت في ظاهر الأمر دعاية مدفوعة القيمة (باستئجار صالات العرض على حسابه الخاص)، فنعم هناك أفلام مهرجانات.. لكن متى تستشفّها؟ وكيف..؟ هنا السؤال، وتكمن الإجابة في أنه عندما تكون لديك حاسة الذوقية عالية، ومقاييس الفرز ناضجة، فسوف تستطيع أن تتذوّق هذه النوعية، أو أن تستشفها من بين الأفلام، ليس باسم مخرجها أو أبطالها، بل بما تقدم، وبالكيفية التي تقدم”.
تجاري وتسويقي
ويشير المخرج خالد الدخيل إلى أن الهدف (بحسب رأيه) من إيجاد هذه الصالات، هو هدف تجاري وتسويقي، سواء لدعم انتشار الأفلام، أو لهدف التوسّع في المنتجات المختلفة، والتي قد تكون متعلقة بالأفلام، وكذلك ربما لهدف ترفيهي إضافي، لكي يتمكّن المشاهد للفيلم السينمائي أن يستمتع بالمرافق الأخرى، والمهم أن يتم ذلك بطريقة لا تؤثّر على الحدث الرئيس (مهرجان الأفلام).
ويضيف الدخيل: “مما لاشك فيه كما ذكرت سابقًا، فالصالات المصاحبة مهمة لفتح المجال للمرافق الأخرى أن تكون جزءًا من المهرجان، كالتسوق والترفيه، كذلك التسوّق من المنتجات المتعلقة بالأفلام وغيرها، وعند الحديث عن الرسوم المتحركة بالذات فهنا تصبح المرافق الإضافية “أساسية” لخدمة الأفلام من خلال التوسّع في المنتجات المختلفة المتعلقة مثل الأدوات التعليمية للأطفال والألعاب وغيرها، وبالنسبة لي شخصيًا فإن إنتاج الأفلام الرسومية هو لهدف “الإنتاج” أولًا وأخيرًا، وليس للمشاركة في المهرجانات، ومعظم أفلامي التي أنتجتها منذ عام 2001م لم أشارك بها في أي مهرجان، فالمهرجانات تعتبر وسيلة للانتشار فقط، ويُبنى على أساسها أهداف محددة، وعند التنبؤ (وبأدلة) أن المهرجان (الفلاني) لا يخدمني ولا يخدم الفيلم، فعندها إذن لا حاجة للمشاركة، وأيضًا التجمعات والمهرجانات (المحلية بالذات) أحسب لها حسابات عند المشاركة فيها، فلا أشارك إلا إذا كان الحدث سيخدم توجهي وسمعتي، وبالطبع فيلمي المشارك، بالإضافة لاعتبارات أخرى شخصية، وهذا الأمر لم يحدث حتى الآن، فأنا لم أقم بالمشاركة في أي تجمع محلي باستثناء “مهرجان جدة للأفلام” عام 2007م والذي شاركت فيه بعد إصرار من إعلاميين مقربين لي ولم أحضره شخصيًا”.
أسس تسويقية
ويرى المخرج عبدالعزيز النجيم أنه يوجد أنموذج واحد لهذه الظاهرة وهو سوق دبي السينمائي، وقال: “مهرجان دبي هو المكان الوحيد في العالم العربي أصلًا أسّس هذه الظاهرة، وهي أسس تسويقية بحتة؛ بحيث تكون مثل هذه الأفلام التي تعرض أفلامًا مجهولة أو أفلامًا من أقطار مجهولة أو أفلامًا تكون مشهورة في أماكن أخرى، ولكنها لم تصلنا أو مستحيل وصولها لنا عبر الأسواق الاعتيادية مثل سينما دبي والبحرين، فعادة تكون أسواق أو صالات تسويقية لأفلام ليست متوفرة في السوق حاليًا، ومهرجان دبي لم يصله مقص الرقيب، ومعظم هذه الأفلام لم تترجم إلى العربية واعتمدت اللغة الإنجليزية كلغة رئيسة، وأنا لا أتكلم عن نفسي ورأيي في المهرجان، وإنما أنا أتكلم عن موازين المهرجان، فمهرجان دبي هو مهرجان عالمي ومعظم الأفلام فيه تكون قادمة من خارج الخليج، وحتى الأفلام العربية نادرًا ما تُعرض في مهرجان دبي، فعندما يُستقطب الفيلم من الخارج، والذي سيُعرض في المهرجان فقط، فالذين سيحضرون الفيلم هم نخبة من السينمائيين على مستوى العالم، حتى إن تذكرة فيلم المدرج في المهرجان تجدها من الصعوبة، وبعض الأفلام لا تجد لها أفلام أصلًا لشدة الطلب عليها من قبل إدارة المهرجان، حتى عندما يأتِ الفيلم فمن الصعوبة تقطيعه في وجود المخرج والممثل بطل الفيلم، فيُعرض العمل السينمائي كاملًا حتى مع اللقطات المخلّة بالآداب وغيرها من الأشياء والتي لا تناسب خصوصيتنا؛ لأن مثل هذه الأفلام ليست تسويقية تجارية تسترعي وجود عائلات ومشاهدين عاديين من الجمهور، وإنما هو فيلم مهرجان سينمائي، وهذه هي مقاييس المهرجان، وأنا لست أتحدث عن رأيي الشخصي في المهرجان، ففلسفة مهرجان كمهرجان دبي السينمائي قائمة على احترام العمل الفني دون المساس بأدق التفاصيل فيه، وأما الصالات المرادفة فأرى أنها تخدم الأفلام، وهي ملحوظة بشكل أوضح في مهرجان الخليج السينمائي تحديدًا ولها قسمين حيث تعرض في مسارات وعروض أخرى، وهذه الأفلام من ميزتها أنها ممكن أن تكون أفلامًا أقل، وممكن أن تكون هذه الأفلام أعلى في مستواها”.
أراها مطلوبة
ويختتم المخرج منصور البدران بالقول: “الصالات المصاحبة لا تنشأ من أجل المهرجان، حيث تذهب أغلب هذه الصالات إلى مجمعات تجارية، وتقدم أعمالها في الصالة نفسها، وأراها مطلوبة، فأغلب الأعمال التي تُعرض في هذه المهرجانات تكون مهيأة بشكل عام من صوت، من شاشات، من بكرة فيلم، من مقاعد مهيأة، وما إلى ذلك، ونظرًا للعدد الهائل من الأفلام المشاركة، والتي تقدم على المهرجان استحدثت هذه الصالات، وبالتالي لا توفي هذا الكم الكبير صالة واحدة؛ ولذلك يتم عرض فيلم في صالة معينة، فيما يُعرض فيلم آخر في صالة أخرى، وعادة ما يكون هناك صالة لعرض الأفلام القصيرة وصالة لعرض الأفلام الوثائقية، وأحيانا ما تتضارب مواعيد عرض الأفلام، وهو ما تتيحه الصالات؛ بحيث تقوم بفك الحصار على الأفلام والتي يقوم بعد نهاية كل عرض فيها مناقشة الفيلم من قبل نقاد سينمائيين، والصالات لا تُوزّع على حسب مستوى الفيلم، وإنما تُوزع حسب نوع الفيلم، فعلى سبيل المثال صالة تعرض أفلامًا وثائقية وصالة أخرى تعرض أفلامًا روائية قصيرة.. وهكذا، وليس هناك معيار أو تصنيف ينادي بأنه إذا كان الفيلم جيدًا يُعرض في هذه الصالة، فيما لو كان رديئًا لا يُعرض، وكل مهرجان له معايير خاصة، فإذا وافقت معايير الفيلم معايير المهرجان يتم عرض الفيلم بشكل عام دون النظر إلى مستواه، ودائمًا إذا كان مستوى الفيلم فنيًا سيئًا، فإنه يُرفض من البداية، وهناك كثير من صنّاع الأفلام يضعون المهرجان مقياسًا لصناعة أفلامهم”.