اعتبرت الباحثة الدكتورة ملاك عابد الثقفي أن فوزها بجائزة مكة للتميز في فرعها العلمي والتقني، يمثل تكليفًا لها، قبل أن يكون تشريفًا، مؤكدة أن هذا الفوز وضع مزيدًا من المسؤولية على عاتقها لتقديم المزيد من الأعمال التي ترقى لهذه القيمة، مشيرة إلى أن هذا التكريم يمثل شرفًا عظيمًا لها لكونه يأتي من أمير العلم والتطوير والإبداع صاحب السمو الملكي خالد الفيصل.. «ملاك» كشفت لـ»المدينة» في هذا الحوار عن مسيرتها العلمية داخل المملكة وخارجها، والأبحاث التي قدمتها، والجوائز التي نالتها، ورؤيتها للعمل الصحي في المملكة، وأسباب عودتها لمدينة الملك فهد الطبية بعد رفضها في المرة الأولى، وذكرياتها في مراحلها المختلفة، والرسالة التي وجهتها لوزير الصحة، وغير ذلك من المحاور الأخرى في سياق هذا الحوار..
شرف كبير
* لنبدأ من فوزك بجائزة مكة للتميز في فرعها العلمي والتقني.. ماذا يعني لك ذلك؟
أنا «مكاوية»، ولدت وعشت كل طفولتي وكل مراحلي المدرسية بمكة المكرمة، وكذلك عائلتي تعمل بالطوافة من جهتي أمي وأبي، ولذلك ففي كل حي بمكة المكرمة لي ذكريات، وأجملها الذكريات أثناء دراستي في ثانوية السادسة والعشرين في أركان الحرم المكي الروحانية جميلة، وكنت أحس أن الملائكة تحيط بِنَا وتحرسنا وقت مذاكراتي، إن فوزي بجائزة مكة للتميز في فرعها العلمي والتقني شرف كبير لعده أسباب: أولاها أن هذه أول جائزه كبرى أحصل عليها من وطني الحبيب، فقد غادرت مكة المكرمة طلبًا للعلم، وها هي اليوم تكافئني بجائزة تتوج دراسة وعملاً مستمرًا، استغرق سنوات طويلة، وثانيها: أن التكريم جاء من أمير العلم والتطوير والإبداع صاحب السمو الملكي خالد الفيصل، وهذا شرف بحد ذاته، وثالثها: أن هذه الجائزة اعتبرها تكليفًا وليس تشريفًا، لأَنِّي الآن أحس بحجم وكبر المسوؤلية الملقاة على عاتقي لتقديم المزيد من الأعمال التي ترقى لهذه القيمة.
رحلة مظفرة
* كيف ارتقيت سلم العلم وصولاً إلى هذه المكانة العلمية المرموقة؟
دراسة الطب كما هو معروف بالمملكة ست سنوات مع سنة الامتياز، وفي أمريكا حوالى ٨ سنوات مع سنتين عمل، وقد تخصصت في البكالوريوس في الطب والجراحه وحصلت عليه من جامعه الملك عبدالعزيز في جدة ثم توجهت مباشرة للولايات المتحدة الأمريكية ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- «الدفعه الأولى»، هناك التحقت في العام الأول من الالتحاق بجامعة «تفتس» ببوسطن كباحث مشارك وكنت كذلك أحضر لامتحانات المعادلة للرخص الطبية الأمريكية والحمد لله تمكنت في أول تقديم لي لبرنامج «الماتش» من الحصول على قبول في برنامج الإقامة في تخصصي علم الأمراض التشريحي وعلم الأمراض الإكلينيكي وبعد ٤ سنوات حصلت على بوردين أمريكيين في نفس التخصصين وكذلك زمالات من الكلية الأمريكية لعلم الأمراض CAP والجمعية الأمريكية لعلم الأمراض الإكلينيكية ASCP، وكذلك كنت أدرس في نفس الوقت بالفترة المسائية برنامج الماجستير في إدارة الأعمال الطبية من جامعة جونز هوبكنز، والذي أنهيته أيضًا، بعدها انتقلت لكاليفورنيا بعد أن حصلت على قبول زمالتي علم الأمراض الجراحية وعلم الأمراض الجينية الجزيئية، وبعدها حصلت على البورد الأمريكي الثالث (تخصص دقيق) في علم الأمراض الجينية الجزيئية، وبعدها عدت لبوسطن بعد أن حصلت على قبول من برنامج لونجود بكليه الطب بهارفارد لزمالة علم الأمراض العصبية، وبعدها قضيت فترة زمالة ما بعد الدكتوراة البحثية، ومؤخرًا تم ترشيحي من رئيس علم الأمراض بمستشفى برجهام والنساء (أحد مستشفيات هارفارد التعليمية الريئسة) لعميد كلية الطب بهارفارد لأنضم لأعضاء هيئة التدريس كمحاضرة وباحثة في مركز دانا فاربر للأورام في هذه الجامعة العريقة.
أوراق وبحوث
* في رحلتك العلمية كم عدد البحوث العلمية؟
لدي حوالى ٣٠ بحثًا علميًا منشورًا أو مقبولاً للنشر في مجلات علمية رائدة تهتم بعلم الأمراض وأمراض الدم ونقل الدم والتشخيصات الجينية وأورام الدماغ وغيرها، وكذلك ساهمت بكتابة ١٤ فصلاً في كتاب يخص تشخيص الأمراض المعدية مع زملاء لي بهارفارد، كما لدي أكثر من ٤٠ ورقة علمية قدمت لمؤتمرات علمية آخرها ورقتين هذا الشهر في مؤتمر الجمعية الأمريكية للأمراض الجينية وجمعية أورام الدماغ.
* هل قدم لك أبحاث داخل المملكة؟
قدمت للمملكة منذ فترة قصيرة؛ لكن أعمل منذ حوالي العام قبلها على ورقتين علميتين جديدتين في أورام الدماغ، سوف تريان النور قريبا بإذن الله مع مدينة الملك فهد الطبية ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنيه وجامعه هارفارد.
العلم والشهادات
* تطالبين بالعلم لذاته وليس من أجل الشهادات.. فهل وجدتي داخل العمل الصحي من يخالف هذه القاعدة؟
في كل مجال يوجد من يهتم بالشهادة والمكانة الاجتماعية؛ وهذا صحيح أيضًا بالطب، لكن الحمدلله لم أصادف في حياتي الكثير من هؤلاء الأشخاص.
تشكيك مرفوض
* هناك من يشكك في أخلاقيات العاملات في المجال الصحي.. فما قولك؟
مع الأسف بعد الأشخاص يشككون بسلوكيات الآخرين دون أن يتحروا الدقة وينسوا قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ» سورة النور:23-25
وأقول لكل هؤلاء: إن الطب والتمريض من أشرف المهن على وجه الأرض، ولقد كانت الصحابيات يشاركن بالمعارك للتمريض والتطبيب؛ فكيف لنا نحن أن نتطاول على مهنة كتلك، لا أنكر أن البعض من النساء قد تصدر منه تجاوزات في مجتمعنا المحافظ، لكنها شخصية، ولا يجوز تعميمها على كل أهل المهنة.
لقاح مهم
* بم تردين على من يشككون في لقاح الانفلونزا الذي أعلنت عنه وزارة الصحة مؤخرًا؟
هذا المجال بعيد قليلاً عن تخصصي؛ لكن من عملي في الولايات المتحدة كان أخذ هذا اللقاح شرط لكل الممارسين الصحيين وإلا توقف مهامك الوظيفية حرصًا منهم على سلامة المرضى، كذلك الكثير من الناس تأخذه طواعية وخصوصًا كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، ومما يخفى على كثير من الناس أن الانفلونزا يموت بسببها سنويًا الآلاف من البشر، واللقاح بإذن الله يمنع هذه المضاعفات، لذا نصيحتي لكل الممارسين الصحيين بأخذه، وكل الفئات المعنية من المرضى والكبار بأخذه بعد استشاره الطبيب، أنا شخصيًا آخذ هذا اللقاح سنويًا.
كتب ومكتبات
* ما هي الكتب التي استفدتِ منها في أبحاثك؟
الأبحاث الإكلينيكية تحتاج خبرة وعملاً مخبريًا وحضور مؤاتمرات وورش عمل بتخصصي بشكل مستمر، وأعتقد أن اشتراكي بأبحاث صغيرة منذ بداية قدومي لأمريكا أعطاني الخبرة اللازمة لإجراء بحوث بشكل أكبر، وكذلك تفرغي لفترة للجلوس بالمعمل كان عاملاً مهمًا، ولا يوجد كتاب محدد استفدت منه في أبحاثي، ففي عصر الإنترنت كل بحث يحتاج لمصادر مختلفة من عدة دراسات منشورة ومراجع.
* هل توفر المكتبات داخل المملكة لطالب الطب ما يحتاجه من كتب وأبحاث؟
حقيقه ليست لدي فكرة عن المكتبات بالمملكة مؤخرًا، لكن عندما كنت بكلية الطب كانت المكتبة صغيرة ولا توفر مراجع لمجلات عديدة.
مردود قليل
* في ضوء تجربتك.. كيف ترين مراكز الأبحاث داخل المملكة؟
لاحظت خلال وجودي بأمريكا حدوث ثورة في افتتاح العديد من مراكز الأبحاث والجامعات في المملكة في السنوات العشر الماضية؛ لكن يظل إنتاجها العلمي دون المطلوب باستثناء القليل منها مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض، سنحاول بإذن الله نقل العديد من أبحاثنا للمملكة قريبًا، والعمل مع عدة جهات ومراكز بحثية سعودية وأجنبية في مجالات الطب الشخصي ودراسات الجينوم لمختلف الأورام وخصوصًا أورام الدماغ والأورام وسط المرضى السعوديين.
ضد اليأس والتشاؤوم
* ما هي الخطة التي سرت عليها ليستفيد منها غيرك؟
أنا لست أذكى من أي أحد، ولست محظوظة كما يظن البعض؛ بل واجهتني تحديات كثيرة، لكني مثابرة، وأحاول دومًا، ولا أجعل لليأس والتشاؤم مكانًا بحياتي، العمل الدؤوب وإخلاص النية، وتطوير الذات بشكل مستمر أهم الأسباب للنجاح، بعد توفيق الله عز وجل.
رفض وعودة
* مدينة الملك فهد الطبية رفضت انضمامك إلى كوادرها إلا بعد تجربة ثلاثة أشهر.. فما أسباب عودتك إليها اليوم؟
لا نريد التحدث عن الماضي، لكن كما فهمت كان هناك سوء تفاهم والحمد لله أنا سعيدة لانضمامي لهذا الصرح الطبي المميز مع نخبة من الأطباء والجراحين في كافه التخصصات. الدكتور محمود يماني مثال للقائد الصحي الرائد، وأنا متفائلة جدًا بالعمل معه، وبإذن الله سيكون الإنتاج مميزًا مع باقي منسوبي المدينة، وقسم علم الأمراض ومركز الأبحاث.
عودة موفقة
* كيف ترسمين ملامح عودتك إلى أرض الوطن؟
الحمد لله العودة كانت موفقة خصوصًا أنني أصبحت أقرب لوالدتي، ولمكة الممكرمة، أما الجوانب المهنية فستأخذ بعض الوقت، وسنعمل على إتمامها قريبًا مع زملائي في مدينتي الملك فهد الطبية ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية. والتحدي الأكبر سيكون سفري والتوفيق مع عملي والذي أصبح «بدوام جزئي» في هارفارد حيث إنه لدي مهام تدريسية وإكلينكية وبحثية هناك، أسال الله أن يمدني بالقوة والصحة لإتمام عملي بإتقان وإخلاص.
معالجة الروتين
* على أي صورة وجدتِ اهتمام وزارة الصحة بالكوادر الطبية الوطنية الشابة العائدة من خارج المملكة؟
ليس لدي الخبرة والوقت الكافي منذ عودتي للإجابة بشكل منصف، هناك بعض الإجراءات الروتينية التي تأخذ وقتًا طويلاً، والتي أتمنى من معالي الوزير الفالح مراجعة خطواتها لأننا نريد أن نبدأ ونخدم بتخصصاتنا في أسرع وقت ممكن لأكبر عدد من المرضى.
جوائز وتقدير
* في خلال مسيرتك.. بم تحتفظ خزانتك من الجوائز؟
أول تكريم في المملكة جاء عندما كنت في الصف الأول الثانوي حيث حصلت على المركز الأول على منطقة مكة المكرمة، وبعدها في الصف الثالث الثانوي حيث حصلت على المركز الخامس بالقسم العلمي على مستوى منطقة مكة المكرمة، وفي كلية الطب تم تكريمي لعامين لحصولي على تقدير امتياز، أما بالخارج فقد حصلت على تكريم من الجمعية الأمريكية لعلم الأمراض الإكلينيكية، واختيار بحثي ضمن أفضل عشرة أبحاث قدمت عام ٢٠٠٩، وتكريم من الملحقية الثقافية من ٢٠٠٨-٢٠١٠ لأفضل بحث في قسم علم الأمراض عامي ٢٠١٠، وتكريم شرف السلام على خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله -رحمه الله- بواشنطن عام ٢٠١٠، وبعدها حصلت على عدة منح بحثية من جهات أمريكيه لمؤامرات مختلفة، ومنحة العميد من جونز هوبكنز. وفي هذا العام حصلت على خطاب شكر ومنحة مالية من قسم علم الأمراض بمستشفى برجهام والنساء بهارفارد لابتكارية أحد مشروعاتي البحثية، وبعدها حصلت على جائزه العلماء الشباب من ASO في جامعة MIT، وجائزة من الجمعية الأمريكية لعلم الأمراض العصبية لحضور مؤتمرها السنوي بمدينة دنفر، وتقديم ورقتي العلمية، وأخيرًا وليس آخرًا أغلى الجوائز على قلبي، جائزة مكة للتميز العلمي والتقني.
شكر وعرفان
* هل من رسالة في ختام هذا الحوار؟
أحب أن أشكر خادم الحرمين الشريفين والدنا الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمين الأمير محمد بن نايف، والأمير الشاب الطموح محمد بن سلمان، على دعمهم لشباب وشابات الوطن في كل المجالات، كذلك أشكر والدتي العزيزة على دعمها لي سنوات دراستي ومرضي، وأشكر الأمير الدكتور تركي بن سعود رئيس مدينه الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية على دعمه ورعايته، وكذلك أشكر جمعية سند لسرطان الأطفال برعاية صاحبة السمو الملكي الأميرة عادلة بنت عبدالله على دعمهم لبعض أبحاثنا، وأخيرًا أشكر كل من علمني حرفًا طوال حياتي.