يعاني مسلمو الغرب عند حدوث خلافات فقهية، ويحدث نوع من التضارب في الفتاوى وقد يصل الأمر إلى ذروته بين أبناء الجاليات المسلمة في الغرب سواء من ذوي الأصول العربية والإسلامية الذين هاجروا إلى الغرب للعمل أو الدراسة أو استقروا هناك لأسباب مختلفة أو من الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام. فهناك من يأخذون بآراء فقهاء الدول التي ينحدرون منها، وهناك من يأخذون فقههم من العلماء الذين ينتمون إلى مدارس فقهية بعينها، مما أحدث نوعاً من الخلافات بين أبناء الجاليات المسلمة بدءاً من تحديد بداية شهر رمضان وانتهاءَ بمواقف سياسية.
وجاء تأسيس المجمع الأوروبي للإفتاء والبحوث الذي ضم تحت مظلته تنوعاً فقهياً كبيراً ليحل هذه الإشكاليات، واهتم بصورة أساسية بقضايا المواطنة والمسائل التي تهم المسلمين في الغرب، واستطاع أن يحسم الكثير من هذه القضايا ويعلي من شأن المراكز والجمعيات الإسلامية لتكون مرجعاَ للمسلمين.
ويعد كتاب “فقه المواطنة للمسلمين في أوروبا” للدكتور عبد المجيد النجار من الكثير التي طرحت قضايا المواطنة للمسلمين في الغرب والمسائل الفقهية التي تواجههم والانتقال من الفتاوى الفردية إلى العمل المؤسسي.
الكتاب الذي يقع في 250 صفحة من القطع المتوسط، وقسمه المؤلف إلى ثلاثة أقسام، الباب الأول بعنوان “دور المسلمين في المجتمع الأوروبي”. وتناول موضوعين مهمين هما: ماذا يمكن أن يقدم المسلمون لأوروبا، والمسلمون في الغرب والشراكة الحضارية، وفي الباب الثاني تناول المؤلف موضوع الإفتاء في أوروبا والانتقال إلى الإفتاء المؤسسي المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، والإفتاء الحضاري للمسلمين وبين فقه الترخيص وفقه التأسيس وفي الباب الثالث مبادئ أصولية لفقه المواطنة وتضمن القواعد الأصولية لفقه الأقليات للمسلمين بأوروبا وماَلات الأفعال وتطبيقاتها في فقه الأقليات للمسلمين في أوروبا، ويختتم المؤلف الكتاب بالتعرض لموضوع مقاصد الشريعة في أحكام الأسرة، تطبيقاَ على الأسرة المسلمة بأوروبا.
الوجود الإسلامي
ويرى المؤلف أن التطور المتسارع الذي يشهده الوجود الإسلامي بأوروبا يستلزم تطوراً مواكباً له في الإفتاء الفقهي الذي يحافظ به ذلك الوجود على سمته الإسلامي من جهة وليكون من جهة أخرى وجوداَ شاهداَ على الناس بما يقدم من النموذج حضاري إسلامي يسهم في حل المشاكل التي تعترض المجتمع الأوروبي كما يسهم في حركة التنمية التي يشهدها هذا المجتمع فيكون إذن وجود إضافة وعطاء لا وجود استهلاك وكلالة.
ويقول النجار: إذا كان المسلمون في البلاد الأوروبية قد ظلوا طيلة زمن يعتبرون وجودهم فيها وجوداً عرضياً ظرفياً, فناسب ذلك أن يكون الإفتاء الفقهي مقتصراً على الاهتمام بمشاكلهم الجزئية, التي تجري بها حياتهم اليومية فإنهم منذ زمن أصبحوا يعتبرون وجودهم في أوروبا وجوداً مواطناً مستقراً ثابتاً, وأصبحت تعترضهم قضايا تتعلق بوجودهم كمواطنين, مطلوب منهم أن ينخرطوا بمقتضاها في المسيرة الحضارية لمجتمعهم دون أن يبقوا مجرد مهاجرين تنبني حياتهم على أساس العودة إلى بلادهم الأصلية التي هاجروا منها. ويشير إلى أن هذا الوضع الجديد الذي أصبح عليه المسلمون بأوروبا منذ عقدين أو ثلاثة من الزمن يقتضي أن يتطور معه الأمر إلى إفتاء يتناول بالحلول الشرعية القضايا الكبرى التي تواجه حياتهم الجديدة مثل الاندماج في المجتمع الذي تسوده ثقافة وتحكمه قوانين تخالف الثقافة والقوانين التي يفترضها التدين بالإسلام مع ما يقتضيه ذلك الاندماج من المشاركة الاقتصادية والسياسية مع مختلف الفئات التي يتكون منها المجتمع الأوروبي.
الحلول الشرعية
وقال النجار: إن الإفتاء للوجود الإسلامي بأوروبا, إزاء هذا الوضع أصبح مطلوباً منه أن يصبح إفتاء لا يكتفي بالحل الشرعي لتلك المشاكل الجزئية التي تعترض الحياة اليومية للمسلم، وإنما يتعدى ذلك إلى ما يمكن أن نسميه بالإفتاء الحضاري الذي يتصدى لكبريات القضايا المتعلقة بالوجود الجماعي للمسلمين والذي يوجههم إلى أن يكونوا في مجتمعهم في موقع الشراكة الحضارية التي تسهم في حركة التنمية لذلك المجتمع اقتصادياً وسياسياً وثقافياً بإضافات جديدة من تلقاء كونهم مسلمين وبإبداعات يقع اشتقاقها من القيم الدينية التي يحملونها خروجاً في كل ذلك عن الوضع الذي يكونون فيه قابعين في هوامس الحياة الاجتماعية مستهلكين غير منتجين منفعلين غير فاعلين، اَخذين غير معطين.
ويضيف الكاتب أن هذا الوضع الذي انتهى إليه المسلمون في أوروبا وما اقتضاه من تطور في المعالجة الفقهية للشؤون الجزئية وللقضايا الكلية من شأنه أن يجعل النظر الفقهي في هذه الشؤون والقضايا يواجه ضرباً من الإفتاء, والتقرير لئن كان يلتقي في أسسه مع النظر الفقهي العام إلا أنه يختص بخصائص مشتقة من خصائص الوجود الإسلامي في أوروبا نفسه بما هو وجود خاضع لسلطان قانوني وثقافي ليس هو سلطان الشرع الإسلامي كما عليه الأمر في سائر البلاد الإسلامية وذلك ما يقتضي أن توجه الأصول الاجتهادية العامة توجيهاً يتناسب مع خصوصيات الوضع محل النظر الاجتهادي وهو وضع المسلمين أقلية في أوروبا بغية أن تكون القرارات والفتاوى متناسبة أيضاً مع هذا الوضع،فتحقق مقاصدها فيه..
ويضيف: هذا التطور في أهداف الوجود الإسلامي بالغرب وآماله, يستلزم بالضرورة تطوراَ في الفقه الإفتائي له ليكون وجوداَ محققاً لتلك الأهداف والآمال وفق أحكام الدين ومقاصده. فطبيعة الإفتاء للأقليات المسلمة باعتبارهم أفراداَ يقف طموحهم في مجتمع غريب عنهم ريثما يعودون إلى بلادهم الإسلامية ولم ينقص من دينهم شيء ليست هي طبيعة الفقه الإفتائي لأقليات مسلمة مواطنة في المجتمع الأوروبي بصفة جماعية، ترنو إلى أن يكون لها شأن حضاري في ذلك المجتمع،فذلك إفتاء ذو طبيعة جزئية تعتمد إلى حد كبير على منزع الترخيص لما يعالج من وضع صفته الاستثنائية وهذا إفتاء ينبغي أن يكون ذا طبيعة كلية تأسيسية لما يعالج من وضع إلى الاستقرار والديمومة.
ويقول المؤلف إذا كان الاختلاف في طبيعة الإفتاء بين هذا وذاك ,اختلافاً مؤسساً على اختلاف الأحوال والأوضاع فإنه يعتبر تداخل تلك الأوضاع والأحوال في المرحلة الانتقالية التي تمر بها الأقلية المسلمة بأوروبا على وجه الخصوص  قد يقع هو أيضاً بعض التداخل فيفتى إذن للمرحلة الجديدة بما حقه أن يفتى به للمرحلة القديمة والعكس، وهو ما من شأنه أن يحدث ارتباكاً في التوجيه الشرعي للأقلية المسلمة بحسب مقتضيات الحالين المتداخلتين في نموها،ومن شانه أن ينعكس سلباً على الأهداف والآمال في المرحلة الجديدة.
وبالنظر إلى هذا الوضع الذي يجد أهل الذكر أنفسهم مفتين فيه لأقلية مسلمة في الغرب هو في حال تطور من مرحلة إلى أخرى فإنه أصبح من الضروري أن تكون القرارات والفتاوى الفقهية مستهدية بخطة إستراتيجية تأخذ بعين الاعتبار هذه المرحلة الانتقالية فيما هي مشدودة فيه إلى وضع سابق وما هي مستشرقة إياه من وضع مستقبلي ليكون الهدي الديني الذي يتصدى له المفتون في شأن الأقلية مساعداً لها على هذا الانتقال بما يحقق أهدافها المتطورة دونما اضطراب أو انحراف.
وكذلك فقد كانت علاقتهم بالمجتمع الأوروبي الذي يعيشون فيه علاقة محدودة جداً لا تكاد تتجاوز العاملات المتعلقة بإجراءات الإجارة التي كانت عمل أغلب المهاجرين، أما الوشائج الاجتماعية والثقافية والاقتصادية فضلاً عن السياسة فقد كانت أمراً غير وارد على المهاجرين أن ينخرطوا فيها بحكم ما يحملونه من شعور بظرفية وجودهم في المهجر فلم يكن لها إذن وجود في الواقع إلا على سبيل الندرة..
وهكذا كانت إذن أوضاع الأقليات المسلمة بأوروبا منذ  بدأت الهجرة إليها قبل ما يقارب القرن وقد ظلت على ذلك النحو ما يقارب ثلاثة أرباع القرن هجرة فردية مرتبة على أساس انها ظرفية محكومة بالتوق إلى العودة متخففة من كل مقتضيات الاستقرار في ممارسة الأعمال وفي الوضع الأسري ومنطبعة بالطابع الفردي الذي يحلو أو يكاد من الشعور بالوجود الجماعي للجالية المصرية،ومحدودة إلى درجات كبيرة في تفاعلها مع المجتمع الذي تعيش فيه على مختلف أوجه الحياة.
المجلس الأوروبي .. سابقة
يقول النجار: لما تأسس المجلس الأوروبي للإفتاء لم يكن للأقليات المسلمة بأوروبا مرجعية أوروبية ذات صفة مجمعية أكاديمية للإفتاء ،وإنما كانت الفتوى تمارس من قبل أفراد من الفقهاء هم في أغلبهم من أئمة المساجد مع ورود فتاوى أحياناً من البلاد الإسلامية ،ولم يكن ذلك كله يتم إلا على نطاق ضيق من مجالات حياة المسلمين ، كما أنه كان يكاد يقتصر على الفتوى للأحوال الفردية.
فكانت الفتاوى في معظمها مطبوعة بطابع الجزئية دون تعرض للظواهر الكبرى في حياة المسلمين وخاصة منها تلك التي تمثل مشاكل عويصة أو تلك التي تتطلب نظراً اجتهادياً عميقاً.
ويضيف قائلاً: لما قام المجلس الأوروبي وباشر عمله بالفتوى للأقليات المسلمة أصبح يمثل مرجعية للمسلمين في أوروبا ذات صفة مجمعية فقهية، فتصدى للفتوى بمنهج غير المنهج الذي كان سائداً، إذ نظر في حياة المسلمين بأوروبا نظرة شاملة تناولت جميع مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولا أسرية، وتتناول المشاكل المتعلقة بتلك الجوانب كلها ليفتي فيها بما هو أعمق نظراً وأدق تحقيقاً مما كان يفتي به من قبل وذلك ما تشهد به تلك البحوث المستفيضة التي تعد مسبقاً لتبنى عليه الفتاوى، حتى أن الفتوى التي قد لا تتجاوز الصفحة أو الصفحتين قد تتوقف على إجراء بحوث تستغرق مئات الصفحات ومثال ذلك الفتوى المتعلقة بالمرأة التي تسلم ويبقى زوجها على دينه، فقد خصص لها عقد كامل من المجلة العلمية للمجلس بمئات الصفحات.
ومع الإفتاء في هذه القضايا الجزئية الخاصة والعامة فإن المجلس كان بين الحين والآخر يتجاوز ما هو جزئي من مناطق الفتوى في شأن الأقليات إلى بعض من قضاياها ذات البعد الشمولي الجامع أو ذات الأثر الواسع في حياتها أو ذات الإشكالات العويصة من الناحية الفقهية، ومن ذلك ما خصص له من بحث واسع وقرارات فقهية شاملة موضوع الأسرة المسلمة في المجتمع الأوروبي وموضوع القروض البنكية لشراء البيوت وموضوع الزوجة التي تسلم ويبقى زوجها على دينه.
إلا أن الناظر في المسيرة الإفتائية للمجلس خلال مرحلته السالفة يجد أن ما أصدر فيها من قرارات وفتاوى كان مستجيباً في معظمه للحالات العاجلة التي تتطلب حياة المسلمين في المجتمع الأوروبي وبما أن تلك الحياة تتوسع كما يتزايد عدد المسلمين بصفة متسارعة  وكيفما بتوسعها وتعقدها نتيجة التراكب والمضي في الاندماج، قد كانت الحياة اليومية تلاحق المجلس بالاستفتاء وتكاد تستبد به دون أن تترك له الفرصة ليمتد بنظره الفقهي على ما هو من قضايا المسلمين الأوروبيين أكبر منها حجماً وأخطر أثراً على مستقبل وجودهم بأوروبا وعلى تحقيق أهدافهم المتجددة فيها.
من الجزء للكل
ويقول النجار: إذا كان الشأن اليومي في حياة الأقليات المسلمة بأوروبا سوف يبقى على الدوام شأناً قائماً وذلك بالنظر إلى التطور السريع لتلك الحياة والتشابك الذي تمتد به مما يتطلب من الفتاوى ما هو ذو طابع جزئي آني فإن المتصدين للإفتاء في شأن المسلمين بأوروبا وعلى رأسهم المجلس الأوروبي آن الأوان في نظرهم كي يتوجهوا فيه أيضاً إلى الإفتاء في القضايا الكبرى المتعلقة بالوجود الإسلامي بأوروبا وهي تلك القضايا ذات التأثير الإستراتيجي على مستقبل هذا الوجود وعلى الدور الذي هو مدعو للقيام به في المجتمع الذي قام فيه.وإذا كان الإفتاء في عمومه إنما يقوم على ذات القواعد والأسس الشرقية سواء ما تعلق منه بالقضايا الجزئية أو بالقضايا الكلية إلا أن المنهج الإفتائي قد يختلف نوع اختلاف بين هذه وتلك وذلك على الأقل من حيث ما يتطلبه كل منهما من توسع في البحث واستجماع لمادته ومن استكشاف للمقاصد واستشراف للمآل.
ويضيف: هذا الاختلاف في المنهج سيتتبع اختلافاً في الاستعدادات التي تتطلبها الفتوى وفي طريق العمل التي تقضيها وإن يكن ذلك متجهاّ في أغلبه إلى الدرجات وليس الأنواع والوضع الانتقالي للوجود الإسلامي بأوروبا بما تداخل فيه مرحلة الظفرية مع مرحلة المواطنة والاستقرار يكاد يواطيء هذه الداعية التي تدعو المفتي إلى تطور في نظره الإفتائي ممن الإفتاء الجزئي إلى الإفتاء الكلي ومن الإفتاء الآني إلى الإفتاء للمستقبل ذلك لأن المرحلة الظرفية العرضية تحمل في طبيعتها معنى الآنية والجزئية في حين أن مرحلة الاستمرار والاستقرار تحمل معنى الكلية والمستقبلية وإن يكن ذلك على وجوه العموم وإلا فإن كلا منهما تحمل بعضاً من خصائص الأخرى وبناء على ذلك فإن الإفتاء في مرحلته المقبلة مدعو إلى ان تكون خطته مزاوجة تستمد من طبيعة المرحلة الانتقالية في جمعها بين مرحلة ظرفية تطلب من الفتوى ما طبعه العام طابع جزئي ومرحلة استقرار ومواطنة تطلب من الفتوى ما طبعه الكلية والمستقبلية وربما اقتضى ذلك بادئ ذي بدء تحريراً جديدا لدلالات الفتوى يمكن من استيعاب هذا المزاوجة ليستبين بعد ذلك طرفا الإفتاء في قضايا المرحلتين والخصائص  التي يختص بها كل منهما والقواعد والأصول التي يُبنيان عليهما.
فقه الأقليات
يقول النجار: مفهوم الإفتاء كان متأثراً من حيث تحديده بالوضع الإسلامي الذي نشأ فيه وتطور واستمر، وهذا الوضع الذي كان يسود فيه الإسلام نظاماً للمجتمع ويوجه مختلف مناحي الحياة فيه، فالإفتاء إنما كان إفتاء للمسلمين في مجتمعهم الإسلامي الذي يحتكم إلى الشريعة الإسلامية وذلك بأن يوفق مظاهر الحياة الفردية والاجتماعية ونوازلها الطارئة بتغير الظروف إلى الأحكام الدينية كي تبقى مستهدية بهدي الدين الذي التزمته من حيث الأساس نهجاً لها وموجهاً لمسارها.
مجتمع غير إسلامي
يطرح النجار سؤالاً مهماً: هل الإفتاء للأقليات المسلمة بأوروبا الذي ندب نفسه للنهوض به يقتصر مفهومه على ذات المفهوم المأثور في التراث الفقهي ويختص بذات خصائصه ويتصف بذات صفاته والحال أن هذا إفتاء لأقليات مسلمة تعيش ضمن مجتمع غير مسلم وتخضع لسلطان قوانين غير إسلامية ويهدف وجودها إلى أهداف قد لا تكون مقتصرة على ذات الأهداف التي يسعى المجتمع المسلم إلى تحقيقها؟ ويجيب بالقول: إذا كان من شروط الإفتاء في إصدار الأحكام التي تعالج النوازل أن تكون مبنية على واقع المفتى عليه، فإن مفهوم الإفتاء ذاته ينبغي أن يكون مبنياً على ذلك أيضاً، ليس على أساس التغاير في المفهوم ولكن على أساس التوسع في مشمولاته أو التنوع في منهجه أو التوجه في مناطاته وذلك من أجل أن يستصحب الإفتاء دوره في حفظ الحياة المفتى فيها على أساس شرعي وتوجيهها نحو ما يحقق أهدافها التي قد تتفاوت من وضع إلى آًخر ومن زمن على زمن.
فقه الترخيص
ويقول النجار إن مبدأ الرخصة في الشريعة مبدأ معتبر فكثير من الأحكام جاءت على وجه الاستثناء من الأحكام الأصلية العامة وهي أحكام العزائم وذلك لسبب من الأسباب اقتضى ذلك الاستثناء. وقد يكون الترخيص حكماً منصوصاً عليه مثل التيمم عند تعذر الوضوء أو الترخيص في قصر الصلاة عند السفر وقد يكون غير منصوص عليه ولكن يستحدث بالاجتهاد وفق قواعد فقهية مقررة مثل الرخص التي تقتضيها قاعدة الضرورات تبيح المحظورات ولذلك فان مجال الترخيص في الشريعة مجال واسع وفقه الرخص فقه دقيق يستلزم من النظر جهودا مضاعفة ولذلك شاعت بين الفقهاء تلك المقولة المأثورة عن الإمام سفيان الثوري: إنما الفقه الرخصة من ثقة أما التشدد فيحسنه كل أحد.
ويضيف: فقه الترخيص تشتد الحاجة إليه في الظروف التي تكون استثناء من مجرى الحياة العادية كالحروب والمجاعات وما شابهها فتلك الظروف تختل فيها كثير من الأنساق العادية لأحوال الناس، وللعلاقات بينهم جماعات فيكون للرخص مجال واسع لمعالجة تلك الأحوال والعلاقات الطارئة على المجرى العادي للحياة توخيا لما تقصده الشريعة من رفع الحرج والمشقة على المكلفين وتسهيلا عليهم وتسهيلا عليهم أن يمضوا في التدين بما تيسره الرخص. فلو تأملنا في وضع الأقليات المسلمة في أوروبا فإننا نجده وضعاً يحمل من الاستثنائية قدراً كبيراً، فأحكام الشريعة يتجه معظمها بالخطاب إلى المسلمين في المجتمع الإسلامي وهو المجتمع الذي يخضع لسلطان القانون الشرعي وتسود فيه الثقافة الإسلامية وتنبني فيه العلاقات على أسس دينية أما الأقليات المسلمة فهي خاضعة لسلطان قانوني غير إسلامي وتعيش في مناخ ثقافي واجتماعي مخالف في أكثر أحواله للمقتضيات الدينية وتتعرض كل يوم لتحيات شديدة في تدينها معتقدات وسلوكا بسطوة إعلامية قاسية والتزامات قانونية نافذة وقد تتعرض أحيانا لهجوم ذي طابع عنصري وتمييز ديني.