رغبة أوباما وزملائه في واشنطن، الابتعاد عن العالم وتركه لمصيره، والتعالي على أوروبا وروسيا والشرق الأوسط وباقي الدول واعتبارهم مجرد قوى ضعيفة ترغب في الركوب على ظهر الدولة العظمي أمريكا، سبب حتى الآن أضرارًا سوف تتصاعد آثارها لتدفع القوى العالمية في وقت ليس ببعيد إلى مواجهة عسكرية.. ففي آسيا تواصل الصين توسعها بحرًا بتحويل صخور غير مأهولة إلى جزر صغيرة وتحويلها إلى قواعد عسكرية وحرمان جيرانها الآسيويين، ومعهم أمريكا، من الاقتراب منها.. في نفس الوقت الذي تواصل فيه موسكو تحكمها بالحرب الأهلية الأوكرانية وفرض واقع جديد فيها إلى جانب إرسالها قواتها العسكرية جوًا وبحرًا وبرًا إلى سوريا لتثبيت موقع لها وإبعاد أمريكا وأوروبا عنها.
في لقاءاته مع جيف جولدبرج، من مجلة (أتلانتيك)، وصف أوباما نفسه بأنه «واقعي» وتبارى بضعة «واقعيين» في الثناء على سياسة أوباما الواقعية. لكن ما تفرضه الظروف على أرض الواقع هو عكس ما يدعي أوباما أنه يحققه. إذ أدى تهربه من مواجهة كيماوي وتجاوزات الأسد إلى جر العالم للاستسلام للمشيئة الروسية في سوريا، مما أدى بالقوات المسلحة الأمريكية للتحايل على واقعية أوباما بزيادة عدد القوات الأمريكية بالتدرج في العراق وأفغانستان.
سيتضح مع صعود رئيس جديد في أمريكا بداية شهر يناير المقبل ما إذا كان الانكماش الذي أوقعه أوباما في السياسة الخارجية الأمريكية مجرد نزوة واتجاه شخصي ورد فعل مؤقت على الإفراط الذي مارسته إدارة جورج بوش في التمدد العسكري.. أو أنه اتجاه طويل الأجل للسياسة الخارجية الأمريكية. إلا أنه حتى مع افتراض أن سياسة أوباما الحالية هي ما سيلتزم به البيت الأبيض القادم، فإن القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط لا تزال قائمة وبكثافة.. وحسب تقرير للكونجرس الأمريكي فإن هناك خمس قواعد عسكرية في عمان، بالإضافة إلى الوجود العسكري في الكويت وقطر والبحرين وغيرها.
ويقول «الواقعيون» الأمريكيون إن السياسة الأمريكية السابقة في منطقة الشرق الأوسط كانت نابعة من التنافس بينها والاتحاد السوفيتي الذي أنهار الآن. ويقولون إن المنافسة العالمية ستكون مع الصين وليس روسيا، وهو بدأ في آسيا وبحر الصين الجنوبي، ولكنه لا يزال يبدو بعيدًا عن الوصول إلى منطقة الشرق الأوسط.
ولكن.. ما كان يبدو بعيدًا أصبح قريبًا حيث بدأ الصينيون في بناء أول قاعدة عسكرية لهم خارج بلدهم وذلك في جيبوتي الواقعة على مضيق باب المندب وتبعد عن اليمن، في الجانب الآخر من المضيق، حوالى ثلاثين كيلو مترًا.. وما يلفت الانتباه أن جيبوتي بسكانها الأقل من مليون نسمة أصبحت ملتقى قوى عسكرية متعددة حيث أقيمت فيها قواعد أو وجود عسكري لأمريكا وفرنسا وأسبانيا وألمانيا وبريطانيا وروسيا بل واليابان في أول وجود عسكري لها خارج بلادها.
كل هذه وقائع تدل على أن سياسة أوباما الخارجية غير واقعية ولا يمكن تطبيقها، وإنما تعكس حالة هروب من اتخاذ قرارات صعبة بعد فترة حرجة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، لا تقل صعوبة عن مرحلة ما بعد حرب فيتنام.. وهذه سياسة ستؤدي إلى مواجهات عسكرية مقبلة بتكلفة أمريكية عالية.