رغم أن الانتخابات الأمريكية الحالية كانت ولا تزال مليئة بالإثارة والتصريحات النارية، الا أن الإثارة الأكبر كانت حين كشفت وسائل الإعلام الأمريكية أن عدة مقاطع من خطبة «ميلانيا» زوجة المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترامب في اليوم الأول لمؤتمر الحزب، هي في الواقع مقاطع مسروقة حرفياً من خطبة لميشيل أوباما ألقتها عام 2008.
ردود فعل الإعلام على هذا الأمر كانت قاسية ومليئة بالسخرية، حيث خصصت القنوات الست الرئيسية صباح اليوم التالي للمؤتمر ما يزيد عن 130 دقيقة لهذا الحدث. وبالرغم من قناعتي بأن جزءاً كبيراً من تلك التغطية المكثفة كان مدفوعاً بأهداف سياسية، غير أنه ودون أدنى شك يعكس حقيقة رفض الثقافة الأمريكية للسرقات الأدبية والعلمية مهما كان شكلها وحجمها. المصطلح المستخدم لوصف هذه السرقات في اللغة الإنجليزية هو plagiarism ، ويشير الى «استخدام أفكار وأقوال الآخرين دون الاشارة إليهم باعتبارهم أصحاب تلك الأقوال والأفعال»، وهي شكل من أشكال الغش غير الأخلاقي.
مشكلة سرقة الأفكار لا تقتصر طبعاً على خطب السياسيين، حيث إن بيئتها الخصبة هي البحوث والدراسات الجامعية، وقد زاد من تفاقمها التطورات التكنولوجية الحديثة التي جعلت من السهل الوصول لمصادر المعلومات، ناهيك عن ازدهار تجارة البحوث الجامعية الجاهزة حتى أننا أصبحنا نرى الترويج لها على صفحات تويتر وفيسبوك بشكل علني دون خوف أو خجل. ويمكنني القول كأستاذ جامعي سابق بأن نسبة الغش في بحوث الطلاب التي كانت تمر عليَّ تزيد عن 80% ، ومن واقع تجربتي أيضاً فإن أحد أسباب لجوء الطلاب الى هذا الأسلوب هو ضعفهم الشديد في أساسيات كتابة البحوث، بل وفي مهارات الكتابة والتحليل بشكل عام. يضاف الى ذلك غياب التنشئة الأخلاقية التي تجعلهم يرفضون فكرة الغش، ناهيك عن ضعف السياسات والعقوبات الخاصة بممارسات الغش سواء في المدارس أو الجامعات. هذه الظاهرة انتشرت أيضاً في الجامعات الأمريكية بشكل استدعى إجراء العديد من الدراسات حولها، والتي لام بعضها الطلاب الآسيويين واعتبرهم أحد أسباب انتشار الغش في الجامعات الأمريكية. أحد الحلول الجيدة للمشكلة تمثل في برامج كمبيوتر خاصة تكشف السرقات العلمية أتمنى رؤيتها بشكل فاعل في جامعاتنا أيضاً.
ختاماً فإن سرقة مجهودات وأفكار الغير امتدت الى بيئة العمل والتي ذكرت العديد من الدراسات بأنها أحد أخطر السلبيات التي يمكن أن تدمر الروح المعنوية للموظفين وتعيق تحقيق أهداف المنظمة الرئيسية.
إن سرقة الأفكار كثيراً ما تكون أخطر من سرقة الممتلكات والأموال، فهي مشكلة لم تُمنح الاهتمام الكافي، وتفتقر الى وجود القوانين المفعّلة التي تمنع حدوثها. وعلاجها يجب أن يبدأ من مراحل التعليم الأولى وذلك بزراعة الوازع الأخلاقي ورفع مستوى التعليم وجودته، وتفعيل العقوبات الرادعة بحق مرتكبيها.