في العام 1995م كان موعدها مع ميلاد حلم قديم، حلم محارة تحوي لؤلؤها المنثور عبر سنوات إبداعها الطويلة، حلم دارة صفية بن زقر، الذي بدأ ينمو معها منذ بواكير نشاطها الفني، فبعد معرضها الثاني في مدرسة دار الحنان قررت صفية -كما تقول- عدم بيع لوحاتها حتى تجمعها يومًا ما تحت سقف واحد يسهل على المتلقين والدارسين مشاهدتها بسهولة، ومن هنا بدأت فكرة الدارة، ذلك الحلم الذي تحقق بمساعدة إخوتها ووقوفهم بجانبها.
وفي العام 2000م تشرفت دارتها بافتتاح أمير منطقة مكة المكرمة آنذاك الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز -رحمه الله- لتكون متحفًا يحمل حلمها الذي أرادت تحقيقه عبر سنوات طوال، وقد فُتحت أبواب الدارة للزوار والباحثين بالمجان في مواعيد محددة، كي يطلوا على جدة القديمة، التي تعشق تفاصيلها الحجازية وتقاليدها وحياة شخوصها الطيبين، والتي قدمتها للأجيال التالية عبر لوحاتها العميقة، ولكن لم ترد بن زقر أن تسمي مشروعها الفني الثقافي بالمتحف، فراحت تبحث في المراجع عن اسم يعبر عن أملها، فوجدت أن معنى كلمة «دارة» هو الوعاء الذي يحتوي الشيء، أو الهالة التي تحيط القمر، فكانت أجمل كلمة تعبرعن حلمها الأثير.
وفي هذا الجزء من الحوار تفتح صفية بن زقر باب دارتها، لتشرح لنا محتواها وأقسامها، وكيف كان اختيارها للمحتوى والمكان.













الطبقة الأولى.. خصوصية ومكتبة
• تمثل الطبقة الأولى من الدارة خصوصية للفنانة صفية بن زقر، حيث يضم مرسمها ومكتبها ومكتبتها الخاصة وغيرها.. كيف تصفين لنا هذا الطابق؟
يشتمل الطابق الأول من الدارة على مرسمي الخاص، ويضم كل ما أحتاجه من أدوات، كما يحتوي على بعض لوحاتي الفنية منذ فترة دراستي للفن في الخارج، حتى تتعرف عليها الأجيال الجديدة من هواة الفن التشكيلي، ومكتبي الخاص الذي يضم مجموعتي الفنية التي جمعتها عبر السنين الماضية من بلدان العالم التي زرتها، وكذلك توجد مكتبتي الخاصة التي تضم كل ما جمعته وأجمعه من كتب في الفن والأدب ودوريات فنية وأدبية باللغتين الإنجليزية والعربية، وما يقدم من أبحاث ورسائل من قبل الدارسين والدارسات في جامعات المملكة، ولا أتردد أبدا في فتح مكتبتي الخاصة هذه أمام المهتمات والباحثات في مجالي الأدب والفن.
كما تضم تلك الطبقى القاعة متعددة الأغراض، والتي أؤراها من القاعات المهمة بالدارة، حيث تستخدم في بعض الأوقات كورشة عمل للمهتمات بالفن التشكيلي، من الكبيرات أو الصغيرات، وذلك تحت إشراف متخصصات، حيث أشرف عليها بنفسي، كما تستخدم في أوقات أخرى قاعة لمتابعة المحاضرات والندوات الأدبية والفنية التي تقام في الطبقة الأرضية، وتحتوي القاعة على عدد من لوحات الدارسات للفن التشكيلي والمشاركات في ورشة العمل الفنية، ولوحات من مجموعة الفنانة الخاصة عن بعض الفنانين والفنانات.
كذلك توجد مكتبة الأطفال، والمكتبة المرئية التي تحتوي على مجموعات أشرطة الفيديو الخاصة بتعليم الفن التشكيلي، أو التي تسجل حياة الفنانين العالميين بأعمالهم ولوحاتهم، أو تستعرض المتاحف العالمية بما فيها من مجموعات فنية خالدة، كما تحتوي على مجموعة (شرائح) من متاحف عالمية وعن أعمال فنانين عالميين، وتعد هذه المكتبة مرجعًا للمهتمات والباحثات.
أما المجلس التراثي فيضم بين جنباته بعض تراث الماضي الذي يعبق منه أريج ذكريات الأجداد، حيث يرى الزائر فيه الجلسة الحجازية بمفارشها الدافئة الألوان، كما يحتوي المجلس على الأدوات والقطع التراثية التي تعود بالزائر إلى أيام الطفولة في ذاك الزمن الطيب.









• لم يكن اختيار مكان دارة صفية مصادفة، فما هي الرؤية التي اخترتِ من خلالها موقع الدارة الحالي؟
كانت فكرتي أن يكون موقع الدارة في مكان يتوسط مدينة جدة حتى يسهل على الزائرين تحديده، ووفقت إلى ذلك بعد عناء وبحث استمر عدة سنوات، وبدأت الخطوات الأولى للمشروع عام 1989م، وبوشر بالبناء عام 1993م ليكتمل عام 1995م، بعدها بدأت أباشر ترتيب الدارة والعمل في مرسمي منذ بداية عام 1996م، وابتدأت الدارة في استقبال صديقات مكتبة دارة صفية بن زقر، سواء الأمهات منهن والأطفال، حيث وفرت الدارة لهن مكتبة خاصة تحتوي على كتب فنية وأدبية لأعمار مختلفة، كل هذا بجانب العمل على إعداد متحف الدارة ليحتضن أعمالي الفنية ومجموعتي التراثية، لقد أنجزت كل هذه الأعمال بفضل من الله ثم بمساندة إخوتي وأخص منهم بالذكر أخي فيصل بن زقر، الذي تحمل عني العناء الأكبر في الإشراف على هذا المشروع حتى اكتمل كيانه، وأختي ثريا بن زقر التي كانت تساعدني دومًا على الحصول على المادة التراثية، الشفهية منها والمادية.
وهاهي الدارة اليوم في مدينة جدة على شارع ولي العهد، الذي يتقاطع مع طريق المدينة، حيث تتميز هذه المنطقة بكثرة المؤسسات التجارية، والدور السكنية، والمدارس، وسهولة الانتقال منها والوصول إليها عبر وسائل المواصلات المختلفة. وقد تم اختبار هذا الموقع بعد بحث استمر خمس سنوات، لكي يحقق أحد أهداف الدارة المتمثل في تيسير وصول الزوار والسياح إليها براحة وتشجيعهم على التردد عليها، كما تتوفر مواقف للسيارات أمام الدارة وفي الشوارع الجانبية المحيطة بها، وتبلغ المساحة الإجمالية للأرض التي تقع عليها الدارة 3045 مترًا مربعًا، يحتل مبنى الدارة منها 853.96 مترًا مربعًا، فيما تبلغ جملة المسطحات الإنشائية للمبنى 1707.92 متر مربع موزعة على طبقتين، كما صممت هذه الدائرة خصيصًا من أجل بث الندوات والمحاضرات الفنية والأدبية والمقدمة من قبل الضيوف الزائرين لتشاهدها السيدات في الطبقة الأولى.













أقسام الدارة
• إذا أردنا أن تصحبينا في جولة داخل الدارة وأقسامها ومحتوياتها، فكيف تعرفينا بها؟
تتألف الدارة من قسمين رئيسيين هما الطبقة الأرضية والطبقة الأولى، وتحتضن كل من هاتين الطبقتين عدة مرافق ومحتويات، من بينها: مجموعة الزفاف.. وتضم إحدى عشرة لوحة تمثل عادات الزفاف في المنطقة الغربية، في حقبة تغطي ما بين سبعين ومئة عام مضت، وقد استغرق العمل عدة سنوات في جمع المعلومات التاريخية والتوثق من سردها التاريخي من مصادر مختلفة، حتى تكون أقرب إلى الحقيقة في إطار التكوين العام للوحة، وهذه اللوحات هي: يوم السخرة، شيال القبقاب، الحنة (الحناء)، زفة الحلاقة، سك الخلخال، المنشد، النصة، النصبة، الرحماني، النصاصات، الربعية.. ومجموعة ألعاب الأطفال الشعبية.. وتشمل نحو اثنتي عشرة لوحة وسيتم تعزيزها مستقبلًا بلوحات تمثل ألعابًا شعبية أخرى آخذة في الاندثار، والألعاب التي تبرزها اللوحات ألعاب صبية وبنات، يلعب بعضها داخل البيت والبعض الآخر يلعب خارجه، وتصاحبها أهازيج غنائية، واللوحات هي: اللب، المدوان، المداريح، الكبوش، حادي بادي، الزقيطة، حدارجة مدارجة، حابوفة، الدنانة (العجلة)، أم العزيزة، البربر، الأطفال يلعبون اللعب خلف بين بن زقر.. ومجموعة الصيد.. وتحوي تسع لوحات حول صناعة المراكب، والصيادين، والمعتقدات الخرافية، والصقور.. ومجموعة الملابس التراثية.. وتضم هذه القاعة مجموعة من اللوحات، أهمها الملك فيصل، ثم العجوز، وجدي، ولوحات «تراثنا ثراء». كما تحتوي القاعة كذلك على مجموعة لوحات مائية تمثل ملابس من مناطق المملكة المختلفة، كما تضم عرضًا لبعض ملابس العرس التراثية.
أما مجموعة تراثنا المعماري فتعرض لوحات للحرم، بيت نصيف، جدة القديمة، المحمل، سوق جدة القديمة، جدة في عام 1929م، ومنظر أفقي لحارة اليمن.. وتبقى مجموعة الأعمال اليومية والحرف الشعبية والأسواق.. وتشمل هاتان القاعتان بعض الأعمال والحرف الشعبية والأسواق اليومية.
كما يوجد ممر العرض، والذي يحتوي على مجموعة البدايات، منذ عام 1963م حتى عام 1969م، وهي ذات موضوعات تختلف عن الموضوعات التراثية، كما أنه يحتوي على مجموعة لوحات نفذت بالباستل لبعض الحرف والأعمال اليومية والسمات الأسرية، بالإضافة لمجموعة من الأعمال الحفرية.. ويحتوي ممر العرض على ثمان خزائن للعرض تحتوي ثلاث منها على الفضيات التي كانت تستخدم قديمًا وتقدم كهدايا للعروس من قبل أهل العريس يوم عقد القران مع المعاشر، أما باقي الخزائن فهي تحتوي على المجموعة الخاصة بالفنانة من الحلي الفضية البدوية التراثية، كما يحتوي على مجموعة الجرافيك من حفر وطباعة حجرية.













جسر بين زمانين
• تعتبر مجموعة الحرف والأسواق جسرًا بين زمانين وجيلين وواقعين.. فكيف توضحين لنا تلك المفارقة؟
تلك المجموعة تضم بعض الأعمال والحرف الشعبية والأسواق اليومية التي كانت مرتبطة في السابق بحياة الإنسان داخل المنزل أو خارجه، حيث نراها محاطة بالإطار العام حولها.. وهي تعرف الجيل الحديث بحياة الماضي، وخاصة أن بعض ما نراه في هذه اللوحات زال، وبعضه لا يزال موجودًا وإن طالته يد التحديث والمدنية، واللوحات هي: خمير، مشاط، سوق النخاولة، قهوة الصباح، تواليت، يوم الغسيل، هرجة صبحية، الفقيهة، المنسج والطارة، حراج الجمال، الدلالة، المغزل، فلاحات من أبها، التهامي، سوق الحريم في الرياض، وغيرها الكثير.