العلاقات بين قيادات دول المجلس لا تحتاج إلى تأكيد ولكن ما شهدناه خلال زيارة خادم الحرمين الشريفين لكل من الإمارات وقطر والبحرين وأخيرًا الكويت يدل على تعمُّق هذه العلاقات في وجدان شعوب المنطقة ، فمظاهر الاحتفالات المعبرة غيّرت الصورة النمطية لأن الترحيب الشعبي طغى على كل مظاهر البروتوكول المعتاد وقد كان ذلك يعبر بصدق عن مدى المحبة والتقدير الذي تكنه الشعوب لبعضها متمثلًا في احترام قادتها.

والمشاركة الشعبية من خلال نماذج التراث الذي يربط كل دول المجلس حيث التجانس والنهج والمفهوم للمعاني التاريخية المتجسدة في التراث الشعبي وإحياء تلك النماذج الحيوية في الاحتفالات خلال الجولة الخليجية.

وسلمان بن عبد العزيز من محبي ومؤيدي التراث فعندما يسمع صوت الآلة التقليدية لا يستطيع مقاومة المشاركة كما شاهدنا في كل المناسبات التي حفلت بها الجولة.أتذكر عندما ذهب (معرض المملكة بين الأمس واليوم) الى مونتريال بكندا وأقيم الحفل الرسمي للمعرض وكان من ضمن فقرات الحفل العرضة النجدية وقد كان الانطباع الذي تركه الأمير سلمان في ذلك الوقت - عندما كان أميرًا لمنطقة الرياض- في أذهان الحضور عندما انتضى سيفه واعتلى خشبة المسرح مُعبرًا بجلاء عن ذوقه الرفيع ومهارته في أداء ذلك الفن الشعبي الأصيل. كان المشهد بديعًا على الطبيعة غير مألوف لدى الغربيين ومبهراً للحضور الذي كان يضم مندوبين من كل دول العالم من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى منظمة الطيران المدني الدولي في مدينة مونتريال في ذلك الوقت.

جولة خادم الحرمين لم تقتصر على القادة ولكنها كانت شعبية بامتياز لأن الشعوب كانت حاضرة منذ البداية حتى النهاية ومتفاعلة ومعبرة عن صدق التقارب وحميمية اللقاء.ومن ذلك المنطلق الشعبي تكمن أهمية التفاوض على الأمور الجوهرية التي تُقلق مستقبل المنطقة وما يحيط بها من تدخلات خارجية وأطماع دولية لأسباب استراتيجية وطمعًا في مواردها وثرواتها الطبيعية وبعد محاولات هيمنة خارجية طال أمدها والآن حان الوقت لوضع حد لتلك المحاولات في الهيمنة على المنطقة وخيراتها ومحاولات إقصاء وتهميش دور مواطنيها عن تقرير مصيرها.

والقادة في هذه المرحلة يدركون ذلك ،وكما ورد في الأثر( لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين) والأمة العربية لُدغت من نفس المكامن مرات عديدة.

قمة مجلس التعاون الأخيرة كان المأمول أن تخرج بنتائج أفضل مما أُذيع في البيان الختامي، ولكن لكل فعل مسبباته وليس كل ما يُعلم يُقال كما يقول المثل. فلعل التقارب والتفاهم وإدراك أهمية المصلحة العامة وخطورة الأوضاع المُنصبة على العالم العربي كانت حاضرة بعمق في تصور القادة المستقبلي للخروج من قيود التحالفات الخارجية بعد الانكشاف الذي حصل لوعود التحالفات السابقة والانطلاق لمسيرة عربية خليجية تفك الأمة من أسرها وتبعث الأمل من جديد في نهضة قوامها السمو فوق الجراح والانطلاق لأفق واعد يلم شتات الأمة من بين حطام كبواتها المؤلمة.