يُقال إن الاقتصاد يُهيمن دائماً على السياسة. ولعلّ من أشهر ما تردَّد في هذا الصدد مقولة كلينتون المعروفة أثناء حملته الانتخابية: (إنه الاقتصاد يا غبي!)، ولكن هل ذلك صحيح طوال الوقت؟، أم هو بعض الوقت؟، وقت يستريح فيه الاقتصاد ليفسح المجال أمام السياسة، ربما وهو مكره، لتقرر ما الذي يمكن السماح به، وما لا يمكن!

وفي عدد الحياة (8 ديسمبر) ذُكر أن أزمة دبلوماسية تكاد تقع بين الدولتين العملاقتين اقتصادياً الصين وألمانيا بسبب (منع الحكومة الألمانية مستثمرين صينيين من شراء شركتين ألمانيتين مهمتين). ويُقال إن بكين أرسلت مذكرة احتجاج إلى السفارة الألمانية فيها بسبب هذا الموقف الذي تعده الصين اقتصادياً بحتاً، وتراه ألمانيا سياسياً وأمنياً.

ويؤكد المراقبون أن هؤلاء المستثمرين ليسوا إلاّ موظفي حكومة من وراء ستار، أما الهدف الكبير فهو شراء (المعرفة) والخبرة والتقنية. وبذلك تختصر الصين الأوقات وتحرق المراحل. في هذه الصفقة كان (المستثمرون) الصينيون يسعون إلى شراء الشركة المالكة لمطار فرانكفورت-هان الألماني، وشركة ايكسترون المتخصصة في تصنيع الآلات التي تحتاجها الشركة الصينية (فوجيان غراند شيب) التي يبدو أنها متخصصة في صناعة رقائق السيلكون وشرائح الذاكرة التي لا يكاد يخلو منها منتج في عالم اليوم.

الشركة الأولى تقدم عصارة خبرات طويلة في علوم وفنون الإدارة الخاصة بالمطارات الدولية. والشركة الأخرى تقدم عصارة بحوث تقنية وتطوير صناعي متقدم سيكلف الصين حتماً أضعاف ما تدفعه اليوم لتبلغه بعد خمس أو عشر سنوات.

وأما القضية الأخرى، فضمان الأسواق الأوروبية مفتوحة بالمميزات والمنافع نفسها، فهي ستظل شركات ألمانية تتمتع بما تتمتع به نظيراتها، إذ لا يتغير عادة سوى اسم المالك. أما الإدارة فتظل تدير أعمال الشركة دون تغيير يذكر سوى السماح بنقل التقنية والعلم والمعرفة إلى ما وراء البحار، إلى الصين البعيدة التي هي منافس شرس قوي.

في مثل هذه المواقف وأشباهها يتدخل السياسي لا لمصلحة شخصية أو لفائدة قريب أو صديق، وإنما لمصلحة البلد، ولحاضرها ولمستقبلها. وهو في النهاية سياسي منتخب مؤتمن على المصالح العليا لبلاده، وهو أيضاً محاسب بشدة إن ثبت تفريطه في تلك المصالح عن عمد.