Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

الحيارى ومراكب التيه

A A
حينما تجد الطريقَ الموصلةَ إلى الغاية العظمى والهدف الأسمى معبَّدةً، واضحةَ المعالم، مأمونةَ العواقب، ثم تصرُّ على التنحى عنها إلى طريقٍ موحشة، معالُمها غير واضحة، ونهايتُها مريبة، فأنت بهذا تخالف الفطرة السوية، وتعمد -قصدًا- لسلوك المسالك المفضية إلى عواقب ربما تكون غير حميدة. يأخذك العجب ممن وُضِعت أمامهم الحقائق الناصعة، وصُفَّت بين أيديهم مراكب النجاة، ومع هذا تفتنهم لذة المغامرة فيُقبِلون على خوض تجارب الآخرين الذين لم تستبن لهم الحقائق فعمدوا -مضطرِّين- لركوب مراكب التيه؛ طمعًا في الوصول لمرافئ الأمان المفقودة. تأسيسًا على ما سبق يمكن القول إن (الإمام الغزالي وديكارت) لم يدركا حجم الأثر الذي خلَّفه منهجهما (منهج الشكُّ) في أذهان الأتباع، فنرى هؤلاء الأتباع جعلوا منه (فلترًا) يجب أن يمرَّر عليه (كل شيء) خاصة ما يتعلق بالإله الحق ونشأة الكون والحياة وعالَم ما بعد الموت. نعم، قد نجد عذرًا للبشرية في أن تمارس حالة الشك العَقدي لو لم يبعث الله لها الأنبياء والرسل ويؤيدهم بالكتب السماوية والمعجزات التي تهديها إلى سواء الصراط، وتختصر عليها مسافات التيه وتجعل الحقائق التي لا تقبل الشك نصب أعينها، أَمَا وقد وُجدت فإن العلة هنا منتفية. نحن المسلمين نُعتبَر الأحدث صلةً بعالم السماء وحقائق الغيب، وبين أيدينا كتابٌ «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد»، ومع هذا يلوي البعض عنق البصيرة ليذهب طائعًا مختارًا إلى ممارسة الشك الديكارتي في رحلة مملوءة بالمزالق والعثرات، وكل ذلك لأجل ركوب الموجة العاتية ليدلل على أنه مغامر وصل للحقيقة بعد عناء، وهو لا يدري أنه قد تتفرق به السُّبل فيضل عن سواء الصراط. الذين يضطرون اضطرارًا لركوب موجة الشك هم أولئك الذين وُجِدوا في بيئة لا يشرق فيها نور الإيمان، فتراهم يبحثون ويتساءلون ويشككون فيما بين أيديهم من تعاليم لعلمهم أنها تقبل النقض؛ كون مصادرها غير صحيحة، ولعل أوضح مثال على ذلك ما ذكره الدكتور عمرو شريف في كتابه (رحلة عقل) عن الملحد السابق (أنتوني فلو) أستاذ الفلسفة البريطاني الشهير الذي ظل خمسين عامًا متزعمًا حركة الإلحاد في العالم ومنافحًا عنها، لكنه في الأخير أذعن لنداء الفطرة فأقر بوجود الله، لكنه جيَّر تلك الهداية للعقل وحده. وعلى هذا يتأتي السؤال: إذا كان ديكارت تبنَّى منهج الشك للوصول للحقيقة، وأنتوني اعتمد على عقله للوصول أيضًا للحقيقة، فهل يلزمنا نحن المسلمين أن نسلك مسلكيهما لنصل للحقيقة؟ لو أننا نعيش الوضع نفسه الذي عاشه ديكارت وأنتوني وأمثالهما من الحيارى -وهو الوضع الذي لم يتبقَّ فيه من الديانات السماوية الصحيحة التي سبقت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلا خرافاتٌ وكُتبٌ محرفة لا تنتمي كليًّا لما أُرسلت به الرسل- لقَبِلنا بمنهجَيهما (الشك والعقل) فليس أمامنا من خلاص غيرهما، لكن المؤلم أن يجد المسلم بين يديه كتاب الله المحكم وسنة نبيه الصحيحة ثم يذهب -غير مضطر- لركوب موجة الشك والعقل ليثبت الحقائق المثبتة -ولا أقول الأمور الجدلية التي يُقبل معها استخدام الشك والعقل- وهو لا يدري أنه لا يختلف عن ذلك الحبشي الذي قيل له أين أذنك؟ فعمد لتدوير إحدى يديه خلف رقبته ليمسك بالأذن التي في الجهة المقابلة.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X