أبداً ليس هذا حديثاً في الفن بقدر ما هو في السياسة. والحاصل أن ثمة تحذيرات بل تهديدات من خلط الدين بالسياسة جعلت البعض يخاف من خلط الفن بالسياسة حتى زاد اضمحلالاً ومن خلط الفكر بالسياسة حتي أصبح خاوياً.

شيئاً فشيئاً أصبح الفن مسخاً مشوهاً وأصبح الفكر منحرفاً.

العجيب والمدهش أن التيارات بل الجماعات والتنظيمات الإرهابية ظهرت في تلك الفترة المائعة السائلة ..فترة التنازل والانحراف عن كل ما هو عربي أصيل وكل ما هو إسلامي صحيح.

كنت أتأمل في معنى القدود الحلبية بعد أن خلت الساحة الفنية العربية من أنشودة أو أوبريت عن مذبحة حلب..فوجدت أنها منظومات غنائية أنشئت على أعاريض ألحان دينية أو عصرية بمعنى أنها تثبت على (قد) -أي على قدر- أغنية شائعة للاستفادة من شهرتها وتحقيق حضورها.

ويبدو أن الفن العربي جاء على قد التراجع والانحناء الذي ضرب معظم دول العرب.

في عام 2008 ظهر أوبريت الضمير العربي الذي تقول مقدمته: ماتت قلوب الناس.. ماتت بنا النخوة..يمكن نسينا في يوم أن العرب إخوة.

كانت الكلمات لمصري وإماراتي وكان الغناء للبناني وجزائري وكويتي وأردني وسوري ومغربي وعراقي وقطري وبحريني وليبي.

حينها كان المطرب العزبي يصيح بصوته الشجي: يا عربي إوعى تنام..حب الوطن الزام..واكتب فلسطين العرب على جبينك العنوان.. أرض العرب للعرب..كل العرب إخوان..صحي الضماير تنتبه قبل الزمن ما يشتبه ويضيع الانسان.

بعدها ظهرت الأنشودة الرائعة: وين وين وين ..وين الملايين.. الشعب العربي وين الغضب العربي وين.. وين الدم العربي ..وين الشرف العربي..وين الملايين.

كانت المطربتان لبنانية وتونسية.

ثم جاء أوبريت الحلم العربي ..لحن وشعر مصري وتوزيع ليبي وغناء سعودي كويتي إماراتي سوري تونسي سوداني.. إردني بحريني لبناني جزائري سوري يمني.

جايز ظلام الليل يبعدنا يوم إنما.. يقدر شعاع النور يبعد لأبعد سما.. دا حلمنا طول عمرنا.

كنت بالأمس أسمع وأنا أشرب دمعي لطفي بوشناق ( الأب) وهو ينصت لابنه يقول شاكيا: يا ابي حزن يبوح الحنجرة .. وجع بهذا الصدر يغمد خنجره..هي حيرة مثل الهزيمة مرة.. ما للعروبة كالحطام مبعثرة..في القدس ما في القدس أو في غزة ..قد عاث صهيون وأرسل عسكره..بغداد أو في الشام جرح واحد ،من فخخ الوطن الجميل وفجره؟ إعلام بعض العرب أضحى فتنة..أصوات بعض العرب أضحت ثرثرة.. في كل شبر من ثرانا لوعة ..في كل ركن من مدانا مجزرة.

قل يا أبي هل العروبة لم تعد إلا أسى في قلب من عشق الثرى ما أكبره!

ويرد بوشناق الأب بلوعة مماثلة: يا ولدي هذا المدى ما أضيقه.. إنى نظرت رأيت ناراً محرقة.. ماذا يقول الحرف في خط المدى..وطن تدلى من حبال المشنقة.

إن مر عصفور يغني مغرماً.. كسروا جناحيه أماتوا الزقزقة..قد فككونا كالطوائف وانبرى كل يشد الكل حتى يخنقه.

آه بني كم من طعنة في الصدر.. تأتي من أخ ما أحمقه!

خلت بوشناق يحملق في وجهي الذي اكفهر مردداً: لكننا والليل يجري خلفنا.. والفجر حث الخطو حتى يسبقه..مازال فينا موطن كي نحتمي بالحب..إن الحب مثل الزمبقة

وغدا ترى الأوطان ضوءاً ساطعاً.. وبرغم حقد الليل شمساً مشرقة.

استفقت على صوت الابن يردد: يا والدي أيقنت منك المعذرة..إني سأسقي الحلم دمع المحبرة.. جرحي عميق غير أني مؤمن .. وغداً يكون الجرح تحت السيطرة..

قلت وأنا أختم المقال: آه يا حلب من يغني لك الآن قدوداً وأنت سيدة القدود وسيدة الصبر وسيدة الصمود؟.