لاتُبنى التحالفات الإستراتيجية الحقيقية، فضلاً عن أن تعمل بفعالية، مابين يومٍ وليلة. وبغضّ النظر عن كل مايدخل في خانة (التثبيط) و(التخذيل) في طروحات بعض الإعلام العربي والعالمي عن التحالف الإسلامي، يبقى الكمون المستقبلي لهذا التحالف أكبر بمراحل مما يتوقع الكثيرون، خاصةً حين نتأمل الفرق في الواقع الإقليمي والدولي بين لحظة إعلانه وبين ملابسات ما يجري هذه الأيام في منطقتنا والعالم. بمعنى أن إنشاءه كان يستقرئ مستقبلاً تتغير فيه المنطقة بناءً على التحالفات.

من هنا تأتي أهمية الجدية والزخم في بناء هذا التحالف، وفي تهيئته وتهيئة أعضائه، سياسياً وعسكرياً، لما هو قادمٌ من تحديات، وخاصةً في إطار توفير الإرادة السياسية المطلوبة لتحقيق أهدافه. ومن هنا أيضاً تأتي أهمية انضمام سلطنة عمان للتحالف في هذه اللحظة الحساسة جداً، وبما تحمله معها السلطنة من أوراق متميزة لاتبدأ بالموقع الإستراتيجي الخطير، ولاتنتهي بدورها السياسي الخاص والحساس في العلاقات الإقليمية والدولية. ولئن كان هذا يدل على نجاح الجهود الحثيثة التي تبذلها القيادة السعودية، وكان آخرها جولة خادم الحرمين الشريفين الخليجية برسائلها المدروسة، وفي هذا المسار تحديداً بمساعي ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فإنه يدل أيضاً على وعي القيادة العمانية بدلالات المتغيرات المتسارعة في المنطقة، وتأثيرها الوجودي على دولها، وهو تأثيرٌ لايمكن أن تتم مواجهتهُ إلا بمزيدٍ من الوحدة بين دول الخليج، تكون نواةً قوية للتنسيق العربي والإسلامي المطلوب.

لم يكن غريباً، لهذا، أن تنقل وكالة رويترز عن مصادر عمانية بأن هذا القرار جاء بعد أن تبين لها «عدم جدية أو فائدة التعاون مع الإيرانيين». بمعنى وصول عمان لنقطة اليقين باستحالة الثقة بالإيرانيين الغارقين في طموحاتهم الجنونية التوسعية، أيديولوجياً وعملياتياً، مهما حاول المرء التعامل معهم من خلال العهود والمواثيق وحتى العلاقات الخاصة.

ما يجب الانتباه إليه هنا يتمثل في أن عُمان شاركت في مناورات «رعد الشمال» التي نظمتها السعودية في مطلع العام الماضي، وبعد شهرين فقط من إعلان قيام التحالف. ورغم أن البعض لم ينتبه إلى مغزى تلك المشاركة، إلا أنها كانت بالتأكيد رسالةً سياسيةً مبكرةً إلى إيران. بل إن مغزى اللحظة العمانية يصبح واضحاً أكثر حين نعلم أن عُمان رحبت بتأسيس التحالف عندما تم، لكن وزير الشؤون الخارجية العماني يوسف بن علوي ذكَّرَ وقتها أن النظام الأساسي المعمول به في السلطنة ينص على حظر مشاركة القوات المسلحة العمانية في عمليات خارج نطاق مجلس التعاون الخليجي. والذي يعرف السياسة العمانية يُدرك أن إقدامها على هذه الخطوة راهناً نابعٌ من معلومات وتحليلات استثنائية وفي غاية الخطورة تتعلق بدور إيران في نشر الفكر الإرهابي والممارسات الإرهابية في المنطقة، فجاءت الخطوة بناءً على قاعدة أن الظروف الاستثنائية تتطلب قرارات استثنائية.

لهذا، كانت وزارة الخارجية العمانية، الحريصة جداً في تعبيرها، تعني كل كلمة ذكَرَتها في بيانها الصادر الخميس الفائت بخصوص الموضوع حين قالت: «إن انضمام السلطنة إلى تحالف الدول الإسلامية لمكافحة الإرهاب يأتي في سياق الفهم المشترك للدول الإسلامية، وعلى وجه الخصوص دور وقيادة المملكة العربية السعودية الشقيقة وأهمية تحقيق السلام والأمن والاستقرار في المناطق التي يسودها العنف الإرهابي المسلح». ورغم أن إيران لم تُذكر، رسمياً، في كل ما يتعلق بالتحالف وانضمام عمان إليه إلا أن موقف قنواتها الإعلامية الوكيلة، الغاضب والمتشنج مما جرى ويجري، ينسجم مع مقولة العرب قديماً: «كاد المُريب أن يقول خذوني».