· أدهشتني فخامة المبنى الذي نقلنا إليه مضيفنا التركي في أحد أطراف العاصمة إسطنبول .. المبنى المكون من أربعة طوابق ؛ والذي يضاهي فنادق النجوم الخمسة في أثاثه وخدماته لم يكن سوى ( رباط ) بلهجتنا السعودية ، أنشأته إحدى الجماعات السياسية التي تعمل تحت غطاء العمل الخيري، لإيواء - أو قل إن شئت تجنيد - الطلبة الفقراء القادمين من الأرياف التركية للدراسة في جامعات العاصمة ! .

استوقفني منظر الطلاب وهم يحفظون بعض الكتب في مكتبة المبنى على طريقة الكتاتيب ، فسألت مضيفنا : هل لكم شروط معينة في عقائد الطلاب ، وهل تفرضون عليهم مناهج دينية وسياسية معينة ؟! ..رغم تهرب الرجل من الإجابة أكثر من مرة إلا أنني أدركت الجواب من تلعثمه و تملصه من الرد !

· لا شيء يفسد مقاصد العمل الخيري أكثر من تكبيله بشروط عقدية ، أو أيديولوجيا ، أو حتى مصالح اقتصادية ، تفقده خيريته ..أقول هذا رغم يقيني التام بصعوبة خلو أي عمل بشري من نوازع المصلحة ، حتى ما يحدث هناك في الغرب العلماني من أعمال مبهرة.. فالإحصاءات الرسمية تثبت أن ( الأعطيات الدينية ) في الولايات المتحدة تتجاوز ثلث مجموع الأعمال الخيرية .. وهذا ما أكده الرئيس أوباما عندما لخص في كتابه (جرأة الأمل) الإيديولوجيا الأمريكية في العطاء بقوله: «التصدي لمشكلات الفقر في العالم والدول الفاشلة أمر حيوي لمصالح أمتنا الأمريكية وليس مسألة إحسان أو صدقة «!!

· للعطاء مردود لا يشعر به إلا المعطون المتجردون ، وعلى الرغم من أن النسخة النقية والحقيقية من الإسلام تؤكد على أن الخير يجب أن لا تحده قيود ، إلا أن المتأمل في المشهد الخيري في العالم العربي والإسلامي يجد أنه واقع للأسف تحت سلطة صراعات محمومة بين تيارات الإسلام السياسي المتضاربة ،والتي تجد الدعم والمساندة من بعض الأنظمة والمنظمات التي تقوم أساساً على فكر طائفي عنصري بغيض، مثل النظام الصفوي في إيران ، مما حوّل العمل الخيري الى مجرد رشاوى وكسب ولاءات واتباع ، وأدوات جذب سياسي ، تستغل حاجات الفقراء والبسطاء ، وتوظفهم في صراعاتها السياسية ! ..لتكون النتيجة ( كانتونات) طائفية منفصلة منهجياً وسياسياً عن الدولة الأم ، وهذا ما يعطي العذر والمبرر الشرعي لتلك الأنظمة ، بوضع يدها على مئات المدارس، والمستشفيات والجمعيات التي تتبع لتلك الجماعات ، كما حدث في تركيا بعد محاولة الانقلاب الأخيرة .

· لا خروج من ورطة أدلجة العطاء في عالمنا العربي والتي باتت تشكل خطراً حقيقياً على السلم المجتمعي الداخلي ، وعلى علاقتنا الخارجية ، إلا بأنسنة العمل الخيري وتفريغه من كل ما يشوه إنسانيته ، وهذا بالطبع لن تقوم به تيارات مؤدلجة ولا حتى حكومات مسيَّسة ، بل سينهض به أفراد مستقلون مؤمنون بقيمة العطاء ، وبدوره المهم في الحفاظ على تماسك المجتمعات ، وفي إبقاء شعلة الخير والمحبة متقدة بين كل بني البشر .