«التسامح يعني تحمُّل ما لا يتوافق معنا. أوروبا مدينة بمسيحيتها لمهاجرٍ سلك نفس طريق اللاجئين. سابقاً اُتُّهم يهود ألمانيا بأنهم مجتمع موازٍ لا يتوافق مع الأكثرية، تماماً كما نسمع اليوم عن (الشريعة) لإقصاء كل ما هو إسلامي. كريستين هيلبيرغ ترى في تحليلها التالي لموقع قنطرة أن لكلٍّ حق تشكيل مجتمعه وأن يكون ما يريد: مسلمةً محجبةً وزيرةً أو مسلماً قاضياً. فحينها فقط تغدو ألمانيا مجتمع اندماجٍ ناجح».

هذه مقدمةٌ لمادةٍ منشورة على موقع واسع الانتشار على شبكة الإنترنت، باللغات العربية والألمانية والإنجليزية، اسمه «قنطرة» للحوار مع العالم الإسلامي. الموقع ألماني بإشرافٍ مشترك بين «المركز الاتحادي للتعليم السياسي» وهيئة «دويتشه فيله» الإعلامية الكبرى ومعهد «غوتة» الشهير، بالإضافة إلى «معهد العلاقات الخارجية». وهي جهاتٌ ألمانية يقول القائمون على الموقع، في خانة التعريف به، أنها تهدف «من خلال منبرهم الجماعي على شبكة الإنترنت، إلى المساهمة في الحوار مع العالم الإسلامي»، مع الإشارة إلى دعم وزارة الخارجية الألمانية الاتحادية للمشروع.

أما المادة نفسها، فهي بعنوان «الإسلام ليس نقيض الغرب بل ميراث أوروبا المُعتَّم عليه»، وبقلم الباحثة السياسية والصحفية الألمانية كريستين هيلبرغ.

ما من شكٍ أن كتابة ونشر مثل هذا الموضوع بهذا العنوان من قبل جهةٍ إعلامية غربية يُعتبر أمراً نادراً. وقد تتردد كثيرٌ من منابر الإعلام في الدول العربية والمسلمة بنشره هذه الأيام. ورغم وجود 100 كاتب عربي من بين كتاب الموقع الذين يبلغون أكثر من 500 كاتبة وكاتب، إلا أن نشر هذه المادة بالذات من قبل باحثةٍ سياسية وصحفيةٍ ألمانية يجب أن يلفت انتباه المسلمين، والعرب تحديداً، إن لم يكن لمدِّ يدِهم ومصافحة هذه اليد الألمانية الممدودة إليهم، فللخروج على الأقل من حالة الحصار النفسي الذي تعيش غالبيتهم فيه، بما يخص العلاقة مع الآخر عامةً، والغرب تحديداً.

ما يلفت الانتباه أكثر أن الجهات المشرفة على الموقع نشرت المادة ضمن جملةٍ من المواد الأخرى بعد هجوم برلين الإرهابي منذ أكثر من أسبوعين. يومَها، خصص إعلامٌ في الغرب والشرق، ومعه ساسةٌ و»زعماء» مُفترضون، وقتهم للهجوم على كل ما له علاقةٌ بالإسلام والمسلمين، وبعملية خلط أوراق لا يُعرف لها أولٌ ولا آخر. بالمقابل، قالت كريستين هيلبرغ في مقالها: «ما يجعلنا نأتي على ذكر الإسلام هنا هو ما يبدو ظاهرياً أن الإسلام هو أكبر تحدٍّ يواجه تسامحنا؛ فالبعض يعتبر الإسلام منبع الإرهاب ومعاداة المرأة والعنف. وهذا الأمر أدى إلى شعور هذه الفئة من بعض المنقذين المزعومين لـ(الغرب اليهودي-المسيحي) بأنه عليهم النهوض لمحاربة (أسلمة الغرب). من المؤسف أنه وبذلك يدفن هؤلاء المنقذون المزعومون أسس نظامنا الحر في القبر، النظام نفسه الذي يفترض أنهم يريدون إنقاذه».

أما موقع «قنطرة» فقد نشر مواد رصينة المحتوى بعناوين مثل «تماسك المجتمع التعددي المتنوع أفضل مواجهة للإرهاب» و»أينما كنتَ في مصر تجد يونانياً أو يهودياً يبيعك شيئاً» و»حزن المسلمين مع الألمان على الضحايا يقهر الإرهاب»، وغيرها كثير.

سواء كان الهدفُ محاربة الإرهاب والتطرف والغلو، بكل أنواعه ومصادره، في العالم، أو المساهمة في وقف الجنون الشعبوي المتصاعد في مختلف أنحائه، أو التصدي لرؤى وسياسات تستهدف العرب والمسلمين، دولاً وشعوباً وثقافةً ومجتمعات، يبدو البحثُ عن حلفاء عقلاء ومنفتحين في هذا الواقع الدولي بمثل أهمية التحالفات العسكرية والسياسية. وفي ظلِّ غياب (ذاكرةٍ استعمارية) عن ألمانيا من جانب، وإمكاناتها الاقتصادية والسياسية وخبرتها التاريخية من جانبٍ آخر، ويدها الممدودة إلى المسلمين والعرب، من جانبٍ ثالث، يبدو مفيداً التفكير (خارج صندوق) الجانب الغربي من الأطلسي، لعقد حلف فضولٍ معاصر، حصل مثله بين عشائر قريش في مكة قبل الإسلام، وفيه أنهم «تعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونوا يداً واحدةً مع المظلوم على الظالم حتى يؤدَّى إليه حقه»، وقال عنه نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم: «لو دُعيتُ به في الإسلام لأجبت».