هل تساءلتم يومًا، ماهو سرّ تـحوّل شخصية طيبة هادئة مُسالـمة، إلى جامحة عدائية مُتسلّطة، مباشرة بعد حصول صاحبها على منصب قيادي أو مسؤولية كبيـرة؟ وهل تعجّبتم من قدرة تلك الشخصية على التلوّن والتبدّل بعد تسلّم صاحبها دفة القيادة الإدارية؟.

أرى أن ذلك يعود في مُجمله إلى طبيعة النفس البشرية المتعطّشة لحبّ الجاه والسيطرة والتحكّم، وتأثّرها بعوامل اجتماعية وفكرية وتربوية مضطربة، فحين لا يـملك أحدهم أدوات التكبـّر الاجتماعي أو التسلّط الإداري، يلجأ بطبيعة الحال إلى الهدوء والخنوع وتبنـّي الـمثالية، ويتعامل مع أقرانه بطيب نفس، وقد ينتقد هذه الإدارة أو ذاك المسؤول، ويشتكي من ظلمه وسوء أدائه، لكن بمجرّد حصوله على منصب مهم مماثل، ومكانةٍ إدارية أعلى، يشعر فعلا أنه مُستحقٌ للمنصب عن غيـره، مؤهلٌ تلقائيًا لرعاية شؤون العاملين وجمهور الناس، وشعوره في الواقع حقيقيّ، فهو لا يستطيع نفسـيّا مواجهة حقيقة ضعف إمكانياته، لذلك يقنع نفسه أن استحقاقه للمنصب أصيل، ويـعتقد أن الله أخيرًا استجاب دعاء والديه، ووضَعه في مكانه المُستحق ليضبط الأمور، فتراه مزهوًا منتشيًا، لا يحتمل إشارات همز ولمز تخدش كبرياءه، فيعدُّ أقرانه حاسدين له غيورين منه، لذلك يرد انتقاداتـهم، ويتجاهل اقتراحاتـهم، ويرى الـمتميّزين منهم تهديدا لسمعته ومكانته، هدفهم إثبات فشله، وهو لا يعلم أن فشله متأصّل في زيف نجاحه، وسقوطه من أعين الناس تجلّى من بداية استهتاره بـهم.

مسؤول كهذا هو في حقيقة الأمر مسكيـن، إذ هو ضحية غُبـن فئوي وسوء تربية، تسببا في قلّة ثقته بنفسه والشكّ المَرضي بغيـره، وشخصيته نتاج تراكمات اجتماعية وفكرية عزّزت مفهوم المظلومية عنده، وكرّست لديه استحقاقه أكثر من غيـره، ثم بعد ذلك ساهم مَن حوله من المُرائيـن والخائفيـن والوصوليين والمتلوّنين في تعزيز أوهامه وتأكيد خيالاته، كما ساعدت أنظمة إدارية مترهّلة في تثبيت سلوكه المعوجّ، وتقرير تفكيره المشوّه، فيظن أن استبعاده عن المنصب مكيدة، مقتنع أنه ناجح فذ، لمجّرد استمراره بالواسطة في منصبه لسنواتٍ عجاف، وما درى أنه جزء من منظومة معطوبة طالحة، معايير الكفاءة فيها مشوّهة، فهو يستحقّ الشفقة ويحتاج منّا الدعاء، عافاه الله وشفاه، وعافانا الله مما ابتلاه به.