لو قُدِّر وتحوَّلت الاهتمامات، وتبدَّلت التطلعات، وارتفع مؤشر الوعي، لوجدنا الفضاء الإلكتروني -فضلاً عن وسائل الإعلام والمجالس العامة- مزدحمًا باسم (محمد الشنبري) ممثّلنا في المسابقة الدولية للرياضيات الذهنية التي أُقيمت مؤخرًا في كوريا الجنوبية وحقق الشنبري فيها المركز الأول من بين متسابقِي (١٦) دولة في مستواه العُمْري الذي لم يتجاوز الثانية عشرة، في حين حقَّق بقية زملائه السعوديين المركزَين الثاني والثالث، حالة القصور الإعلامي والمعنوي تجاه المبدعِين والمتفوقِين وخاصة في المجالات العلمية والمهارات العقلية ليست بالأمر المستجِد، ميزتها الوحيدة أنها تُوضِّح بجلاء سقف طموحاتنا التي لا تتعدى تحطيم الأرقام المحلية التقليدية وكفى، وتشي بنوعية اهتماماتنا التي هي في حالة من التجافي مع (العقل) ومهاراته الذهنية وأفكاره الإبداعية ومخرجاته، وفي حالة وئام تام وعناية فائقة بالأعضاء الأخرى ومخرجاتها، لم يكن فوز الطالب النجيب محمد الشنبري بالمركز الأول للمسابقة الدولية في كوريا الجنوبية هو الأول بالنسبة له، بل سبقه فوز مماثل في مسابقة الخوارزمي الصغير الدولية التي أُقيمت في الهند، وقبل ذلك فاز بالمركز الأول على مستوى المملكة، هذه الأرقام التي حققها الشنبري والجوائز المستحقَّة التي حصدها لم تأتِ من فراغ؛ وإنما كان للمنحة الإلهية (الموهبة) الدور الأكبر، ثم جاء دور والدته -وفق ما صرح به الشنبري لبرنامج اللهم بك أصبحنا- متناغمًا مع دور معلِّمِيه ومنهم الأستاذ طارق إبراهيم والأستاذ عاصم، بالإضافة للممارسة والتدريب والتوق والرغبة الجامحة في التفوُّق وتحقيق مراكز متقدمة. حالة عدم الاهتمام (المستحَق) بالشنبري، وعدم تسليط الأضواء عليه وتكريمه من الجهات ذات العلاقة تعطي مؤشرًا على أننا في حالة جفاء وقطيعة -قصدية أو غير قصدية- مع النبوغ والموهبة والإبداع، وفي الوقت نفسه تعطي مؤشرًا على أننا لا نزال في حالة افتتان وتعلُّق بمن ألبسناهم صفة (الرمزية) في مجالات وميادين عديدة لا يمكن لإنجازاتها مهما تكاثرت وتعولمت أن تقف وتصمد -ولو اجتمعت- أمام المنجزات العقلية وإن تضاءلت نسبتها. لا أدري كم هي الفترة الزمنية الكفيلة بتغير اتجاهاتنا واهتماماتنا لنعتني ونهتم وندعم الكفاءات ذات الإنجازات الإيجابية النافعة للوطن؟ ولا أدري هل الاهتمام من قِبل وسائل الإعلام وبعض الجهات ببعض المنجزات وتقصيرها مع منجزات أخرى يعود في المقام الأول لتلك الوسائل والجهات؟ أم أن العلّة تكمن في اهتمامات المجتمع، وبالتالي فما تلك الوسائل والجهات إلا مرآة عاكسة لها؟.

يبدو أننا سنبقى زمنًا ندور في فلك هذه الجدلية التي لا تختلف كثيرًا عن جدلية أيهما الأسبق «البيضة أم الدجاجة»؟، الشيء المؤكد هو أن الشنبري ليس وحده من حقَّق هذا السبق والتفرُّد؛ فهناك العديد من النابغِين والموهوبِين والفاعلِين والمنجزِين وغيرهم الكثير وخصوصًا في المجالات العلمية والتقنية الذين أبدعوا وسجَّلوا إنجازات غير مسبوقة لكنهم لم يحظوا بما حظي به غيرهم من دعم على المستويات كافة، وظلوا مغمورِين لا يُدرى بهم ولا بمنجزاتهم، وإن ظهرت منجزاتهم للملأ فقد لا تُشكِّل لهم اهتمامًا ولا تستوجب منهم دعمًا ولا ثناءً.