عندما نتصفَّحُ كُتُبَ السِّيَر التي كتبت عن أسلافنا نجد نماذج رائعة، يُخَيَّلُ إلى البعض أن الزمان لن يجود مرة أخرى بأمثالها.

ولكن عندما نتأمل سِيَرَ أعلامٍ يعيشون بيننا نسمع منهم ونأنس بأقوالهم، ونُسَرُّ بأفعالهم نستيقن أن الخير باقٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة.

أقول هذا وأنا أتأمل سيرة علم من أعلام زماننا هذا، وعالم من خيرة علمائنا، عرفته بتواضعه الذي ذكَّرني بتواضع أعلام الإسلام في عصوره المختلفة، وبأخلاقه التي لم أعهد لها مثيلًا، تسأله عن مسألة وتبدي فيها قولًا، فلا يسرع إلى تخطئته، حتى لا يصدمك بالجواب، وإنما يلجأ إلى أسلوب حكيم، يناقش معك المسألة حتى تدرك الصواب فيها، ويبلغ فيها بغيته بإيضاح الجواب. يفاجئك بين الحين والآخر باتصالاته التي يشعرك فيها بأنك أنت الأستاذ وهو المسترشد.

هذا العَلَمُ ترقَّى في درجات العلم حتى أصبح أستاذًا جامعيًّا في أعرق كلية للشريعة والدراسات الإسلامية في المملكة العربية السعودية وما جاورها من دول الخليج العربي. ثم أصبح عميدًا لها لمدة من الزمن شكر الناس له سيرته ونعموا بقيادته الحكيمة.

ولمكانته العلمية المتمكنة اختير للتدريس في المسجد الحرام، وهذه المكانة لا تمنح إلا لمن كان في علم الشيخ وخلقه وتواضعه. وعلت مكانته بعلمه فنال ثقة ولاة الأمر حفظهم الله، فعُيِّنَ عضوًا في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وهو بحق من كبار العلماء بعلمه وخلقه وتواضعه، علا بالعلم الشرعي فأعلاه الله به.

حينما عرفته من سنوات أسفت كثيرًا أني لم أحظَ بمعرفته من زمن طويل، لما وجدته فيه من صدق ونصح ولين جانب، ومنذ أن عرفته وأنا أريد الكتابة عنه، ثم أحجم، حتى لا يُفَسَّرَ ما أقول على أنه مجاملة لمرتبته لا لشخصه، أما وقد ترجَّل وأصبح بعيدًا عن المنصب فإني أجدها فرصة لأقول بعض ما فيه.

لعلك أخي القارئ اشتقت إلى معرفة اسم هذه الشخصية المتميزة، فأقول لك: إنه معالي الشيخ الفقيه الأستاذ الدكتور علي بن عباس الحكمي زاده الله علمًا ورفعة ومكانة في الدنيا والآخرة.