لماذا نتهافت على بعض الأسماء البرَّاقة التي يصقلها الإعلام، وبعض المناصب الرسميَّة، ونتغاضى عن المعادن الثمينة والأصيلة، والتي تحتاج إلى بحث وتنقيب، حتَّى عبارات مثل: مَنْ زَرَع حَصَد، ومَنْ جَدَّ وجدْ، حفظناها في سنواتنا الدراسيَّة الأولى ولازالت محفوظة للاستهلاك البياني، لكن على المستوى العملي لا نكاد نفهم معناها المجازي، ربما لذلك تُنْصف بعض الجوائز العربيَّة والعالميَّة مَن زرع ومَن جدَّ، فيحصد ثمار زرعه، ويجد نتيجة جهده، طافت بخاطري كل هذه المعاني، وأنا أتابع الاحتفاليَّة التي أقامتها جامعة أم القرى يوم الأحد 8 يناير 2017م، قاعة «الجوهرة» لتكريم سعادة أ. د. وفاء عبدالله المزروع، أستاذ التاريخ - كلية الشريعة والدراسات الإسلاميَّة بالجامعة، والمناسبة حصول د. وفاء المزروع على جائزة «شوامخ المؤرخين العرب» من اتحاد المؤرِّخين العرب خلال مؤتمره السنوي في القاهرة، يوم الأربعاء 28 ديسمبر 2016م، وهي أول باحثة سعوديَّة تحصل على هذا اللقب، لخدمتها تاريخ العرب في الأندلس.

اتحاد المؤرِّخين العرب، مؤسَّسة تابعة لجامعة الدول العربيَّة، مهتمة بالتاريخ العربي، وجائزتها التي تحمل عنوانًا مميَّزًا (شوامخ المؤرِّخين العرب) لها قيمتها العلميَّة والأكاديميَّة في مجال مهم من مجالات العلوم الإنسانيَّة، وهو «التاريخ» الذي قيل لنا إنَّه شوِّه في أزمنة مختلفة، لذلك عرَّف كولنجود (صاحب كتاب فكرة التاريخ ت/ محمد بكر): التاريخ بأنَّه «نوع من أنواع البحث العلمي، يستهدف الكشف عن حقيقة الأشياء التي أفصحت عنها جهود الإنسان في الماضي، بهدف تقويمها»، وإذا ألقينا نظرة خاطفة على بعض عناوين الأبحاث التي أنجزتها وفاء المزروع، يظهر حجم الجهد المضني الذي بذلته، لخدمة تاريخ العرب والمسلمين في بلاد الأندلس وأوروبا، لتحصد هذه الجائزة المهمَّة على مستوى العالم العربي؛ «جهاد المسلمين خلف جبال البرتات»، «نفوذ القالبة في الأندلس في عصر الإمارة والخلافة 138هـ - 366هـ»، «الأندلس قرون من التقلبات والعطاءات»، «الثغر القوطي الأندلس 92هـ - 711م إلى 366هـ -976م»، «الفايكنج وإغارتهم على الإمبراطورة الكارولنجيَّة»، «الانشقاق الديني في البابوية في العصور الوسطى وأثره في الأوضاع السياسيَّة»، «قبائل السكسون الجرمانيَّة ودورها السياسي في أوروبا في العصور الوسطى»، «النورمان وآثارهم السياسيَّة والحضاريَّة»، «دمشق في الذاكرة الأندلسيَّة»، «إسهام الرحلة والمجاورين الأندلسيين في الحياة العلميَّة بمكة المكرمة»، «القواسم المشتركة للمرأة السعوديَّة والمرأة الإسبانيَّة: قراءة تاريخيَّة واجتماعيَّة»، جامعة كومبولتشي، مدريد، 2008م. «الدور الثقافي للمرأة المسلمة: نساء الأندلس نموذجًا»، المعهد العالي لوحدة الأمَّة الإسلاميَّة، ماليزيا، 2007م. هذا غيض من فيض من أبحاثها ومشاركاتها.

وفاء المزروع، أخلصت لعلمها ووطنها، عملت بصمتٍ ومثابرة وإخلاص، مستمدة من مخافة الله الإخلاص والصدق، فحصدت الإبداع والتميُّز، لذلك لم أفاجأ عندما قالت عميدة شؤون الطالبات د. هالة العمودي في سياق حديثها عن وفاء المزروع، إنَّها عندما تولَّت منصب عميدة جاءت أ. د. وفاء لتهنئتها فطلبت منها النصيحة قالت «مخافة الله»، أجل هي هذه العبارة تشرح شخصيَّة «الشامخة» وفاء المزروع ببساطتها وهدوئها، والتفاف طالباتها وزميلاتها حولها، فيزداد إعجابي بها كلما التقيتها، عميقة العلم كالبحر، رقيقة بسيطة كالنهر، لا يفصح عن عمقه مهما نظرت إليه، يتدفق ماؤه، يروي ما حوله عذوبة وحياة، لا غرابة لأن هذه النبتة العطرة نمت في تربة أسرة علميَّة عريقة.

المرأة المسلمة في الأندلس، وإسهام البحارة والمجاورين على الحياة العلميَّة في مكة المكرمة، بحثان قدمتهما في الصالون الثقافي النسائي، بهرتنا بالمعلومات وأسماء النساء المسلمات في الأندلس اللاتي كان لهن دور بارز في الحياة العلميَّة، والحياة العلميَّة الثريَّة بالعلماء من أقطار الدنيا بجوار الحرمين الشريفين. أستاذة البلاغة د. هيفاء عثمان فدا استطاعت من خلال حوارها العميق مع المكرمة إمتاع الحضور بالمشاركات العلميَّة الخارجيَّة والداخليَّة، والتأثير الإيجابي لوجود امرأة سعوديَّة باحثة في تاريخ أوروبا والأندلس، تحدَّث الجميع في ذلك الحفل بحب عن الزميلة والأستاذة والمعلمة القدوة، وكنت أتمنَّى أن يشارك قسم الرجال في هذه الاحتفاليَّة، عبر الدائرة التلفزيونيَّة، والمحتفى بها تستحق أكثر كما قالت لي إحدى المشاركات من منسوبات الجامعة التي اقترحت إطلاق اسم «وفاء المزروع» على إحدى قاعات الجامعة الكبرى، أيدتُ الفكرة، وأقترح أيضًا إطلاق أسماء النساء المميَّزات على الجامعات والكليَّات ومدارس البنات، لأن هذا التكريم في حياتهنَّ له نكهة مختلفة، خصوصًا بعد حصولهنَّ على التقدير العربي أو العالمي من خلال الجوائز في شتَّى المجالات العلميَّة والأدبيَّة.