اللغط الدائر هذه الأيام بين نادي جدَّة الأدبي الثقافي، وجمعيَّة الثقافة والفنون بجدَّة، والتراشقات اللفظيَّة عبر الصحف ووسائل التَّواصل الاجتماعي ما كان لها أن تصل لما وصلت إليه لو صلُحت النوايا، والتزم كلا الطرفَين بالإطار القانوني للقضيَّة التي تنحصر في تخيير النادي الجمعيَّةَ بين تجديد العقد المبرم بينهما على المبنى القديم للنادي، الذي تسلَّمته الجمعيَّة من رئيس النادي السابق بعقد انتهى منذ أشهُر، أو إخلاء المبنى. من حق مجلس إدارة أدبي جدَّة، بل ومن أوجب مسؤوليَّاته أن يُطالِب الجمعيَّة بتجديد العقد أو الإخلاء، وهذه إجراءات يعرفها حتَّى البسطاء، غير أن ما لمسه مجتمع المثقفِين هو أن جمعيَّة الثقافة والفنون بجدَّة ركبت رأسها؛ فلا هي طلبت التجديد، ولا أخلت المبنى، وحجَّتها أنَّه لا يتوفر لها مبنى بديل يمكن أن تنتقل إليه، وأنَّها وأدبي جدَّة عينان في رأس الوزارة، وهي حُجج لا تعفيها من التقيُّد بالأنظمة، ومخاطبة النادي، وهو أمر مقدور عليه، لا يتطلَّب أكثر من خطاب. في يقيني أن مجلس إدارة الجمعيَّة لا يجهل هذه الإجراءات، ولكنَّه يسلك هذه المسالك تحت غطاء (المظلوميَّة) لإطالة أمد القضيَّة، وإشغال الوسط الإعلامي، وصرف النادي عن مهامه.

المتابع لهذه القضية يلمس بجلاء مدى قوة ووضوح حجج النادي، في المقابل يلمس بجلاء محاولات التنصُّل من الحقيقة لدى مجلس إدارة الجمعيَّة والمنافحِين عنها حينما يذهبون لأمور لا تتماس مع صُلب القضيَّة؛ فتراهم يشرِّقون ويغرِّبون ويكرِّرون مقولة إنَّ الجمعيَّة قامت بأنشطة تفوق أنشطة النادي، وأن النادي أصابت أعضاءَه الغيرةُ من أنشطة الجمعيَّة، وأنَّهم يتماشون مع رؤية (٢٠٣٠)، ومشروع كيف نكون قدوة، وغيرها من الصوارف التي تأخذ المتابع -بعيدًا- عن صلب القضيَّة.

من حق الجمعيَّة أن يكون لها مقر خاص، وهذه من أوجب حقوقها على وزارة الثقافة والإعلام التي كان مؤمَّلاً منها أن تبني للجمعيَّة المقر الدائم الملائم، أو تستأجر لها مقرًّا يتلاءم وأنشطتها، وسكوت الوزارة على بقاء الجمعيَّة في مقر النادي دون مخاطبتها بتجديد العقد، أو الإخلاء، أو الإتيان بحل توافقي للقضيَّة -حتَّى الآن- أدَّى إلى تفاقمها وبروزها على السطح. أمَّا مسألة تبعيَّة النادي والجمعيَّة لوزارة واحدة، فهذا أمر لا خلاف عليه، لكنَّ كلاًّ منهما يُعتبر مؤسَّسة مستقلة لها كادرها الإداري، وأصولها الثابتة، وممتلكاتها التي لا ينبغي أن يشاركها فيها أحد، حتَّى لو كانت المرجعيَّة واحدة، إلاَّ وفق ضوابط واضحة غير ضارَّة بطرف على حساب آخر، ثم إنَّ المتبرِّع أيًّا كان فعلاقته بما تَبرَّع به تنتهي حال تسليمه للجهة المستفيدة، فيصبح من أملاكها وتتصرَّف فيه تصرفًا كاملاً.

الأمل معقود على وزارة الثقافة والإعلام أن تبادر بالبت في هذه القضية، وتعطي كل ذي حق حقه، وإن لم يكن النادي صاحب حق، فليكفَّ عن مطالباته، وإن كان محقًّا فلتبادر الجمعيَّة بالاعتذار له وللوسط الثقافي الذي أشغلته، وتلملم أغراضها وتتولَّى الوزارة أمرها. هذه القضيَّة تُعدُّ درسًا مجانيًّا، ومؤشِّرًا صادقًا على عدم صوابيَّة فكرة ما يُسمَّى بالمراكز الثقافيَّة؛ فالأندية الأدبيَّة لها خطُّها الأدبي الفكري المتَّسم بالاتِّزان والهدوء، وجمعيَّات الفنون لها خطُّها الفنيّ المتَّسم بالحركة والصخب، فلا إكراه في الثقافة، ويكفي أن رئيس الجمعيَّة السعوديَّة للثقافة والفنون الدكتور سلطان البازعي صرَّح بأنَّه ضد فكرة الدمج، ولا يتمنَّى أن يتحقق.