منذ ثمانِي سنوات، وقبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2008 بيومين، كتبتُ في هذه الصفحة مقالًا بنفس العنوان أعلاه، مع فارقٍ يتمثل في أن اسم الرئيس يومها كان «أوباما». كانت جميع استطلاعات الرأي وقتها، ومعها الأجواء النفسية السائدة في أمريكا تجاه إدارة بوش الابن والجمهوريين بشكلٍ عام، تشير إلى غلبة احتمال فوز أوباما بالرئاسة. من هنا، قلت: «وإذا حصل هذا، يصبح السؤال المطروح عنوانًا لهذا المقال مشروعًا: هل العرب جاهزون للتعامل مع رئيسٍ أمريكي مثل باراك أوباما؟».

واليوم، مع فجر اليوم الثالث لوجود رئيسٍ أمريكي جديد مثل دونالد ترامب، يفرض السؤال نفسه بقوةٍ، وبنفس الملابسات المتعلقة به حين طُرحَ يومذاك، وكان منها ما يلي: «قد يستغرب البعض من السؤال لأن الانطباع السائد في العالم العربي يوحي بأن شعبية المرشح الديمقراطي فيه ربما تفوق شعبيته في بلاده. لكننا نعلم جميعًا أن هذه المشاعر تنبع من رؤيةٍ عاطفيةٍ تعوَّدنا على وجودها في هذه البقعة من العالم. وهي تصدر عن (الأمل) بأن يتعامل الرجل مع العرب بشكلٍ مختلف عن الطريقة التي تعامل بها الرئيس بوش معهم».

وبعد الحديث عن احتمال تحسُّن العلاقات بين العرب وأمريكا، وأسباب ذلك، تم التأكيد في المقال بأن «هذا لا يعني أبدًا أن أوباما سيتساهل في تأمين المصالح الاستراتيجية لبلاده من أجل (سواد عيون) العرب والمسلمين»، وأنه «سواء كان الأمر على المستوى الجماهيري أو على المستوى الرسمي، يجب أن يتجاوز العرب عقلية انتظار الهبات من الآخر. ففي هذا العالم المُعقَّد، لا مجال للتعامل بين الدول بناءً على العواطف والمشاعر. وأفضل ما يمكن للمرء أن ينتظره من النظام السياسي العالمي هو أن يمتلك حدًّا أدنى من العقلانية والفهم للشروط التي يتحقق معها الأمن والسلام والازدهار في العالم. وهي شروط تتضمن درجةً من الاحترام المتبادل ومن التعاون المشترك في جميع المجالات. بكلماتٍ أخرى، هذا هو أقصى ما يمكن لأوباما رئيسًا أن يُقدِّمه للعرب».

لكن السؤال الآخر المهم كان منذ ثماني سنوات، ولا يزال اليوم، يكمن في البحث عن شروط ذلك الاحترام المتبادل. إذ أنه «لا يمكن أن يحصل في غياب احترام طرفٍ من الأطراف لذاته بالمعنى الحقيقي للكلمة. كما أن حصول التعاون يصبح مستبعدًا إذا كان طرفٌ من الأطراف لا يعرف أصلًا ما يُريد، وكانت سياساته مبنيةً على ردود الأفعال».

بناءً على هذا، كان، ولا يزال، مُؤكَّدًا أنه «لن يحظى العرب بالاحترام المطلوب، ولن يحصلوا على ما يُريدونه من تعاون، ولن يتمكَّنوا من تحصيل ما يبحثون عنه من حقوق، لا من أوباما ولا من غيره إذا استمر تصديرهم للمواد المصنّعة بكل دولهم مجتمعةً أقلّ من تصدير تايلند التي لا يبلغ عدد سكانها ربع سكان العالم العربي، وإذا بقي إنفاقُ الفلبين وحدها على البحث العلمي أو ما يُسمَّى R& D أكثر من إنفاق العرب كلهم، وإذا بقيت تايوان تُصدّرُ في ثلاثة أيام أكثر مما تُصدّر مصر في عامٍ كامل في حين كان البلدان يُصدّران بنفس النسبة في الستينيات، وإذا بقينا نفتخر بوجود اسم جامعةٍ عربية واحدة في المائة الثالثة أو الرابعة من قائمة أفضل جامعات العالم! لقد تناقص نصيب العرب في التجارة العالمية، بغض النظر عن البترول، بمقدار 50 %خلال الخمس والعشرين سنة الماضية. ونسبةُ العاملين من البالغين في العالم العربي تقارب 47 %وهي من أقل النسب في العالم. والعرب بحاجة لتوفير 70 مليون فرصة عمل خلال العقد القادم إذا ما أرادوا الاقتراب من المعدل العالمي».

بعد أكثر من ثماني سنوات، تفيد المعطيات والإحصاءات أن دلالات الأرقام المذكورة أصبحت أسوأ مما كانت عليه يومها، والمعلومات موجودة في تقرير التنمية البشرية العربي 2016. وإذ تساءلنا عام 2008 بالقول: «في ظلّ وجود هذه الحقائق، هل يكون العالم العربي جاهزًا للتعامل مع أوباما بكل انفتاحه وثقافته وحتى تعاطفه إذا ما أصبح رئيسًا بعد أيام؟»، فإن مجرد التفكير بالسؤال، في ظل ما بات معروفًا عن «الفكر السياسي» للإدارة الأمريكية الجديدة، وخاصةً في مجال السياسة الخارجية، يبدو مُرعبًا الآن.