القوة والمال والسياسة تقف وراء كل فعل تُقدم عليه أمريكا منذ انفصالها عن العرش البريطاني بعد حرب أهلية طاحنة ولذلك يتكرر الحديث في كل ولاية لإدارة جديدة عن الحلم الأمريكي وعن التزاماتها مع حلفائها في إطار غير متكافئ في كل الحالات ، فالاقتصاد والتفوق التقني والريادة في أخذ المبادرات والثروات الطبيعية التي تملكها في حيزها الجغرافي ومناطق نفوذها التي تسيطر عليها من خلال انتشارها وتنوع شركاتها عابرة القارات في كل قارات العالم تمنحها ميزة تنافسية لا تتمتع بها أي دولة أخرى من بداية القرن العشرين،ولذلك بادرت بغزو الفضاء والنزول على سطح القمر وسبر أغوار الكواكب الأخرى ،كل هذه المشاريع امتداد لرؤيتها وإحياء للحلم الأمريكي الذي يتجدد باستمرار غير منقطع أيٍاً كان ساكن البيت الأبيض وأياً كانوا أعضاء مجالسها التشريعية وعضوية سلطتها القضائية فالرؤية تظل أمريكا أولًا وآخرًا .. الأكبر والأقوى والأحق .. من وجهة نظر كل ساسة أمريكا مهما كانت خلفيتهم وانتماءاتهم الحزبية لأن هناك نظاماً يقوم بالتصفية الفكرية والتوجهات السياسية بالمال والإعلام من بداية العملية الانتخابية حتى النهاية. فبعد بوش الابن غيروا الحزب وأتوا بباراك أوباما من أصول أفريقية والمتمكن في كل دوائر القانون والإدارة المطلوبة لتغيير صورة أمريكا في العالم التي وصلت إلى القاع بعد حرب الخليج الأولى والثانية وبعد حادثة 9/11 وبعد إشرافها على الإفلاس في أهم قطاعاتها الصناعية والتجارية ،وقد نجحت إدارة أوباما في إنقاذ أمريكا من الانحدار وأعادت التوازن مع انحسار في استعراض القوة الصلبة وفاءً بوعوده الانتخابية في الولاية الأولى والثانية. والمراقبون والمحللون لخطابات الرؤساء في لحظة تنصيبهم يدركون أن العملية بروتوكولية وأن برامج التنفيذ لها مسارات مختلفة تمامًا ولكن أدوار المسرحية تتطلب الاستعراض والترويج لرعاية العظمة الأمريكية والحفاظ على مكانتها وتفوقها وتقدمها.

الفقر والجريمة والقمع عند الحاجة مستمرة لأن صراع البقاء للأقوى سيستمر في ذلك العالم الذي لا حدود لأطماعه وطموحاته وتفوقه أيًا كانت الوسيلة المطلوبة لتحقيق الحلم الأمريكي الذي يفرز قادته بعناية وبمعايير دقيقة. وأوباما رجل قانون مفوه يمتلك الذكاء والحيوية وسرعة البديهة والمرونة في التعامل مع الآخرين ولذلك نجح في مهمته خلال ولايتين قضاهما في البيت الأبيض.

الرئيس الجديد دونالد ترامب أمريكي شكلًا ومضمونًا ورجل أعمال ناجح وهذا ما يريده الشعب الأمريكي الذي بنى مجده على جماجم السكان الأصليين في تلك القارة الشاسعة الغنية بالموارد الطبيعية والتنوع الجغرافي الذي لا مثيل له عندما غزتها حملات الاكتشاف الأوروبية في القرن الخامس العشر الميلادي وبالقوة والعنف وإصرار الإرادة تحقق الحلم الأمريكي حتى أصبح على ما هو عليه.إن وصول دونالد ترامب إلى رئاسة أمريكا في هذه الفترة الحساسة دوليًا بكل توجهاته الجريئة والمتطرفة التي فتحت جبهات تصادم في كل الاتجاهات خاصة مع الحلفاء الخُلص في القارة الأوروبية والموقف من تمويل حلف النيتو ومع شركائها الكبار في آسيا مثل الصين واليابان يحتاج لترويض من الكونغرس ومجلس النواب العارفين بمعايير السياسة الدولية وبمصالح أمريكا العميقة في كل القارات وإذا أصر الرئيس ترامب على الوفاء بوعوده الانتخابية فقد يكلفه ذلك حرمانه من ولاية ثانية في البيت الأبيض لأن لعبة الديموقراطية لديها القدرة على تصحيح مساراتها عند اللزوم.

ويبقى موقف سياسة أمريكا في المنطقة العربية رهين اللعبة الديموقراطية الأمريكية وغير واضح في المرحلة الحالية!