بعض المراقبين للوضع الداخلي بإيران يقولون إن وفاة رافسنجاني ، الزعيم الديني وأحد أقوى أفراد الطبقة الحاكمة فيها ، سوف يؤدي الى إضعاف ما يعتبرونه جناح الاعتدال في طهران لصالح المتشددين . وهو تقييم مبالغ فيه ، إذ إن رافسنجاني لم يكن معتدلاً وإنما عرف عنه بأنه ( براغماتي ) أي سياسي واقعي يعتبر السياسة وليس التشدد الأيدولوجي ضماناً لاستمرار الجمهورية التي ساهم في إقامتها مع الخوميني ، بولاية الفقيه ، ويسعى - كما كان بارزاً من مواقفه الداخلية والخارجية - إلى دعم النظام ، عبر التفاهم وليس المواجهة مع مختلف الأطراف والخصوم في الداخل والخارج . لذا كان البعض يقيم مواقفه ( البراغماتية ) على أنها مواقف اعتدال ، رغماً عن معرفة الجميع أن الرجل كان من أشد المتحمسين لنظام ولاية الفقيه والداعمين لنظام الحكم الإيراني والتشدد في بعض الأمور التي كان يراها من مصلحة النظام .

على كل حال فإن الاعتدال والتشدد هي قضايا نسبية في النظام الإيراني ، فالجميع متشدد حتى وإن أظهر مواقف توصف بالاعتدال ، وعلى إدارة الملالي بطهران اليوم بعد أن فقدت الرعاية الخاصة التي تمتعت بها في عهد أوباما أن تعيد النظر في أهدافها وسياساتها . وعليها أن تختار بين بناء بلادها اقتصاديا واجتماعياً وسياسياً أو مواصلة المغامرات خارج البلاد والإنفاق على آلة عسكرية بهدف دعم هذه المغامرات .. إذ إن عهد ترامب الجديد سوف يكون أقل رغبة في غض النظر عن المغامرات الإيرانية الخارجية ، وأكثر احتمالاً أن يسعى لمعاقبة النظام على مغامراته .

وهناك فريقان في إيران فيما يتعلق بالتفاهم مع الأميركيين ، أحدهما يرى أن هناك فرصة لتحقيق مكاسب إقتصادية وسياسية عبر الحوار مع واشنطن ، وهم على قناعة بأن الأميركيين لا يعارضون هيمنة إيران على منطقة الشرق الأوسط مقابل تقديم الإيرانيين تعهدات بالمحافظة على المصالح الأميركية في المنطقة ،ومن أبرز محور هذا الفريق الرئيس الإيراني الحالي ووزير خارجيته . وأكدت إدارة أوباما الراحلة وجهة نظر هؤلاء عبر تصرفاتها وكذلك تصريحات واضحة أدلى بها الرئيس السابق أوباما نفسه . وقد يسعى هذا الفريق لعرض صفقة ما على الرئيس دونالد ترمب على أمل استمرار الدعم الأميركي للطموح الإيراني .

والفريق الإيراني الآخر لا يعتقد أن واشنطن جادة في التعاون مع نظام الملالي ، وأن إدارة أوباما كانت عبر تعاونها مع إيران تسعى للحصول على الاتفاق النووي المؤقت لتستخدمه كشهادة على نجاح باراك أوباما في سياسته الخارجية في ظل فشله في إدارة السياسة الخارجية الأميركية وعدم تمكنه تحقيق نجاح يذكر فيها . ويرى هذا الفريق أن السماح لوشنطن التسلل داخل إيران وانتشار دبلوماسييها ورجال أعمالها داخل البلاد إنما هو جزء من مخطط لتغيير نظام الملالي في إيران وإحلال نظام آخر محله ، لذا فإنهم يرفضون انفتاحاً كاملاً على واشنطن ، ويرون أن عدم قبولهم التعاون الكامل مع الأميركيين هو الذي مكنهم من التوسع والهيمنة الحالية وليس الحوار والتشاور اللذين كان محمد جواد ظريف ، وزير الخارجية ، يقوم بهما مع البيت الأبيض .

ستواجه طهران تحدياً في علاقتها مع واشنطن . فالعاصمة الأميركية تتولى أمورها إدارة جديدة تدل المؤشرات الأولية أنها ستكون أكثر حزماً في رفضها للتوسع الإيراني .. وعلى إيران إما التراجع عن اندفاعها الخارجي أو مواجهة عواقب ذلك اقتصادياً وسياسياً وربما عسكرياً .