هناك من يستخدم مصطلح «جلد الذات» لمواجهة من ينتقدُ قضايا ومشكلات اجتماعية، بغرض الدفاع عن مجتمعه والرد على من يرى قصورًا واضحًا فيه، دون مناقشة المشكلة نفسها بالضرورة، فأحدهم، ومن باب حبه لوطنه وغيرته المحمودة على مجتمعه، يتحرّج من مواجهة حقائق مؤسفة وسلوكيات غير سليمة تنتشر في بلده ويمارسها كثير من أفراده.

إن استعمال أحدهم لمصطلح «جلد الذات» في هذا المقام غير موفّق أبدًا، فهو يوحي أن تناول العطَب والحديث عن العيوب المُجتمعية بمثابة تعذيب النفس وتقريع الذات بشكل مَرَضي، وهذا استخدامٌ قبيح، وقد يقصُد منه المزايدة على وطنية أبناء جلدته بشكل غير مقبول، كما أنه في هذه الحالات لم يفرّق صاحبه بين تعذيب النفس، وانتقاد سلوكيات وقضايا تستدعي كشفها وإظهارها للمجتمع لتوعيته، وللمسؤولين والمختصين لتشخيص أسبابها وعلاجها، وبغرض الإصلاح ومحاربة الفساد بشتى أنواعه الإداري والمهني والسلوكي والأخلاقي، دون اتهاماتٍ شخصية أو تشهير بأشخاص معيّنين، عوضًا عن التغطية على العيوب والتستُّر على النقص واستمراء الأخطاء.

ومن المهم عدم الخلط بين التفاؤل والسذاجة، فالتفاؤل أمرٌ محمود ما دامت هناك بوادر تُعطي الأمل الصادق في التغيير إلى الأفضل (اعقلها وتوكّل)، أما السذاجة فمِن صُورها تكرار الأخطاء وتجاهل الوقائع السلبية، ثم انتظار نتائج إيجابية!! كما أن الانتقاد البنّاء واستشراف المستقبل بواقعية على أسس مُعتبرة ومعطَيات واضحة وضوء تجارب سابقة، ليس من التشاؤم في شيء.

ولا يعني ذلك إغفال المَحاسن والمميّزات الإيجابية للمتمع، فتلك لها كُتَّابٌ يوفونها حقها وأكثر، همّهم تنحية التقصير جانبًا والتركيز على الإيجابيات، ناهيك عن مبالغاتهم في وصف عدد من المحافل والأحداث والأخبار، وهم بذلك أحرار في وجهة نظرهم، ويضمنون نوعًا من التوازن في عرض الموضوعات.

أختم بما قاله يومًا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمهُ الله تعالى رحمةً واسعة: «ما تردّدتُ في النقد الصادق لنفسي لحدّ القسوة المُرهِقة»، كما أذكر في هذا المقام قول خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله وأيّده، مُخاطبًا المثقّفين والإعلاميين: «رحم الله من أهدى إليّ عيوبي».